خلفيات متباعدة في آن واحد، هكذا بدت اللقطتان التاريخيتان اللتان وثقتا ولادة" مذكرة تفاهم إسلام آباد" المفاجئة بين طهران وواشنطن قبل موعدها المحدد.
في المشهد الأول، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أجواء احتفالية لتوثيق لحظة التوقيع، إذ ظهر في مقطع فيديو نشره نائب رئيس موظفي البيت الأبيض دان سكافينو، وهو يوقع الوثيقة في قصر فرساي التاريخي بباريس خلال مأدبة عشاء استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وبادر ترمب إلى توقيع الوثيقة فور تسلّمها من وزير خارجيته ماركو روبيو، وسط تصفيق الحاضرين وكلمة" برافو" من ماكرون.
أما المشهد الثاني، فحمل طابعا مغايرا تماما، إذ ظهر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منفردا في صورة رسمية خلت من أي مظاهر احتفالية، مكتفيا بعرض ورقة الاتفاق مُوقعة من الطرف الإيراني.
دبلوماسية الساعات الأخيرةلم يكن تقديم موعد التوقيع مجرد مناورة بروتوكولية، بل رغبة مشتركة وحاسمة لإنهاء الحرب وفتح شريان الطاقة العالمي" مضيق هرمز" فورا ودون انتظار يومين إضافيين، أي موعد جنيف المقرر الجمعة.
وقال المصدر الدبلوماسي إن المناقشات بشأن تسريع الجدول الزمني كانت تهدف إلى فتح المضيق في وقت أقرب من يوم الجمعة، حيث كان الطرفان متفقين على هذه المسألة.
أما كواليس اللحظات الأخيرة فشهدت صراعا خفيا، كشفه موقع أكسيوس، إذ تعرّض البيت الأبيض على مدار الأيام الماضية لضغوط سياسية لنشر نص" مذكرة التفاهم"، مقابل شرط إيراني صارم بعدم نشر أي بند قبل التوقيع الرسمي، مما دفع إلى إتمام التوقيع سريعا لإنهاء حالة الغموض والخروج للإعلام بحقائق منجزة.
وفي محاولة لتفكيك اللغز الذي كشفه المسؤولون: هل وُقّع الاتفاق مرتين؟ إحداهما سرا بين ترمب وفانس وقاليباف، والأخرى علنا بطابع احتفالي في فرساي، مما أثار التساؤلات بشأن الرسائل التي أراد كل طرف إيصالها إلى الداخل والخارج من خلال هذا الغموض.
وثمة أسباب لوجستية لاعتماد آلية التوقيع الافتراضي إذ أكد مسؤولون أمريكيون ومصادر من الدول الوسيطة أن نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يقود فريق المفاوضات الأمريكية، لم يكن بمقدوره العودة إلى الولايات المتحدة قبل مغادرة ترمب إلى فرنسا لحضور قمة مجموعة السبع صباح يوم الاثنين.
لم تخلُ أجواء التوقيع على الاتفاق من رسائل تهديد شديدة اللهجة من الرئيس ترمب، إذ توعد بقصف إيران قصفا عنيفا وإعادة إسقاط القنابل فوق رؤوسهم وتصفية مسؤولين إيرانيين إذا فشلوا في احترام الاتفاق أو الوفاء بالتزاماتهم.
بالتزامن مع لغته الهجومية، تراجع ترمب عن وعوده السابقة بالقضاء التام على القدرات الصاروخية الباليستية لإيران وتدمير صناعتها، مشيرا إلى أنه من غير العادل ألا تمتلك طهران بعضا منها ما دامت دول أخرى تملكها.
في مقابل تهديدات ترمب، اختارت القيادة الإيرانية عدم التطرق إليها، والتركيز على الاحتفاء بأول اتفاق يوقعه رئيس أمريكي ورئيس إيراني منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن بلاده حققت عبر المفاوضات ما كانت تسعى لإنجازه عسكريا مرات عدة، متمثلا في رفع الحصار عن الموانئ وتجميد العقوبات وإلغاء تجميد الأصول بمليارات الدولارات.
يُظهر نص الاتفاق تباينا بين خطاب ترمب الحاد وحقيقة ما أثمرت عنه الحرب، إذ بقيت الحكومة الإيرانية في مكانها، ولم يتم تدمير قدراتها الصاروخية أو مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، في حين نالت طهران مكاسب اقتصادية وصندوقا استثماريا بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.
مصير لقاء جنيف وخطوط إيران الحمريؤكد بيان الإعلان عن مذكرة التفاهم اتفاق الولايات المتحدة وإيران على تعليق العمليات العسكرية بينهما، مما يمهد الطريق للدخول في مفاوضات إضافية، والانتقال من مرحلة الصياغة والتوقيع إلى مرحلة اختبار مدى التزام الطرفين بتنفيذ الاتفاقية.
ومع ذلك، ما زال المشهد يسوده الغموض والضبابية، وخاصة بشأن اللقاء المرتقب يوم الجمعة في سويسرا، فبينما أشارت مصادر ومشرعون إلى أنه لا يزال متوقعا بين الوفدين برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لبحث إطلاق مفاوضات البرنامج النووي، فإن الحكومة السويسرية أكدت أن الخطة القائمة حاليا هي اجتماع أمريكا وإيران وباكستان وقطر ودول أخرى معنية غدا الجمعة لإجراء مفاوضات أولية بشأن تنفيذ اتفاق السلام.
في المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه لن يكون هناك حفل توقيع في جنيف لأن الرئيسين وقّعا بالفعل إلكترونيا، مشيرا إلى أن قرار التوقيع الرئاسي دفع إلى تعليق النظر في عقد اجتماع الجمعة مؤقتا ليبقى غير مؤكد.
وحسمت طهران سقف مفاوضاتها المستقبلية عبر تصريحات بقائي الذي قال إن الصواريخ الإيرانية" صُنعت للإطلاق وليس للتفاوض"، معلنا بشكل قاطع أن القدرات الدفاعية لإيران لن تكون مطروحة للنقاش في أي عملية تفاوضية ومع أي طرف كان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك