خلال اجتماع مجلس الوزراء في 15 يونيو 2026م، وجّه حضرة صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظهُ اللهُ ورعاهُ – الجهات المعنيّة بتقييم موضوع الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال من جوانبه المختلفة، وتشخيصه وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، وبما يساعد الأسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفية الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
ويُعد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقمية محل اهتمام عالمي واسع منذ عدة سنوات، وانتقل من أن يكون مسؤولية الأهالي بضبط الاستخدام، إلى توجه الحكومات نحو ضبط الممارسة، ولم تكن سلطنة عُمان بعيدة عن هذا المشهد، فقانون الطفل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 22/2014 على سبيل المثال، حدد حقوق الطفل ومنها الثقافية، في أي يكون ما يُعرض عليهم ملائمًا لعمرهم مثل السينما والأماكن العامة، كما يُحظر نشر أو عرض أو تداول أي نوع من أنواع المحتوى التي تخاطب غرائز الطفل الدنيا، أو تزين له السلوكيات المخالفة.
غير أن التطور الهائل في التقنيات والخوارزميات، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي العملاقة، أصبح يحتم تطوير أدوات رسمية للتعامل مع هذا الموضوع، فلا قدرة للأهالي وحدهم على مواجهة خوارزميات وسائل التواصل، التي تعتمد على جذب الجمهور وبقائهم في المنصات لأطول فترة ممكنة، دون رقابة على نوعية المحتوى، ودون مراعاة للخصوصية، ليصبح الجمهور رقمًا، فمن ينشر محتوى أكثر جدلاً يجذب أكبر أعداد من المشاهدين، ليصبح مشهورًا ويحصل على عوائد مالية.
وفي هذا الإطار، عملت هيئة تنظيم الاتصالات على مشروع لدراسة الجوانب التنظيمية والتقنية والقانونية المرتبطة باستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، لتنتقل بعدها إلى المرحلة التالية، وهي المشاورة المجتمعية.
تُعد ممارسة المشاورة المجتمعية ممارسة تحرص الهيئة عليها منذ 18 عامًا، لإشراك المجتمع بكافة فئاته من الأفراد والشركات، ومعرفة آرائهم تجاه مشروعات قرارات تمس مجالات مختلفة من اختصاصاتها.
في 16 يونيو 2026م، طرحت الهيئة مسودة لائحة تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، والتي تهدف إلى:تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وتمكينهم من الاستفادة من الخدمات الرقمية والتقنيات الحديثةاستكشاف الحلول والأليات الفنية الممكنة للتحقق من العمر والحد من وصول القصر الى محتوى غير مناسبتحديد التحديات المحتملة والآثار المترتبة على تطبيق الأحكام التنظيمية المقترحةتقييم مدى ملاءمة الأحكام والمتطلبات التنظيمية الواردة في مسودة اللائحة وقابليتها للتطبيقتناولت اللائحة ثلاث محاور رئيسية، وهي التحديات التنظيمية والقانونية والتقنية، والسن القانوني للسماح باستخدام المنصات الرقمية، بالإضافة إلى التزامات المنصات، وأدوار أولياء الأمور، والجهات التنظيمية.
ودعت الهيئة الجميع لتقديم الردود والآراء حول وثيقة المشاورة، والتي يمكن الاطلاع عليها عبر الموقع المخصص خلال فترة شهر، أي في موعد أقصها 16 يوليو، وستراجع الهيئة كافة الردود التي تصلها والمرئيات.
تتضمن مسودة اللائحة حزمة من الضوابط والالتزامات التي تستهدف الحد من تعرض الأطفال للمخاطر الرقمية، فتضمنت حظر تقديم أو السماح بإنشاء أو الإبقاء على أي حساب في منصات التواصل الاجتماعي للأطفال الذين لم يبلغوا سن 16 عامًا، سواء كانت الحسابات جديدة أو قائمة بالفعل، وأكدت مسودة اللائحة على أن الحظر لا يخضع لأي استثناء يتعلق بموافقة ولي الأمر، إذ لا يحق له الموافقة على إنشاء حساب للطفل إذا كان دون السن المحددة، كما سمحت اللائحة بالاطلاع على المحتوى العام دون إنشاء حساب، شريطة ألا تشترط المنصة التسجيل أو تشجع المستخدم على فتح حساب.
ألزمت اللائحة مشغلي المنصات بالتحقق من عمر المستخدمين قبل إنشاء الحسابات من خلال وسائل فعالة، مع اعتماد الهوية الرقمية الحكومية (GovID) أو أي وسيلة حكومية أخرى تعتمدها الهيئة كخيار رئيسي للتحقق، وحظرت الاعتماد على إدخال تاريخ الميلاد أو الإقرار الذاتي فقط، وأوجبت استخدام وسائل تحقق متعددة ومتدرجة تراعي مستوى المخاطر والخصوصية، مع توفير بدائل مناسبة في حال تعذر استخدام الهوية الرقمية.
كشفت المسودة مواد خاصة بحماية البيانات، إذ ألزمت المنصات بإتلاف أي بيانات شخصية يتم جمعها لغرض التحقق من العمر فور انتهاء عملية التحقق، كما منعت الاحتفاظ بهذه البيانات أو استخدامها في الإعلان أو التسويق أو التنميط السلوكي أو مشاركتها مع أطراف أخرى، إلا بموجب أمر قضائي.
ضوابط خاصة للفئة العمرية 16 – 17 عامًاوضعت اللائحة اشتراطات إضافية للحسابات المسموح بها للفئة العمرية بين 16 و17 عامًا، من أبرزها:ضبط الحسابات على الوضع الخاص.
تعطيل مشاركة الموقع الجغرافي وتتبع الموقع.
تقييد استقبال الرسائل المباشرة من الغرباء.
الحد من الخصائص التي قد تشجع على الاستخدام المفرط مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي للمحتوى.
تقليل الإشعارات الفورية في أوقات محددة.
كما ألزمت المنصات بتطبيق أنظمة عرض محتوى أكثر أمانًا تمنع الترويج لمحتويات قد تضر بالقصر، مثل محتوى إيذاء النفس أو اضطرابات الأكل أو العنف أو المواد الجنسية الصريحة.
منع التوصيات الخوارزمية للقاصرينمن أبرز البنود التي تضمنتها اللائحة، حظر تشغيل أنظمة التوصية المخصصة للمستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 17 عامًا، وبموجبه، لن تعتمد المنصة على السلوك الشخصي للمستخدم أو اهتماماته في اقتراح المحتوى، بل يقتصر عرض المحتوى على الترتيب الزمني أو أساليب عرض غير مخصصة.
حظرت اللائحة عرض الإعلانات المبنية على التنميط أو الاستهداف السلوكي للأشخاص دون سن 18 عامًا يمتد إلى المحتوى الممول والشراكات التجارية والمنشورات التي يتم تعزيز وصولها خوارزميًا لأغراض تجارية.
آلية الاعتراض على قرارات الحذفألزمت اللائحة المنصات باتباع إجراءات متدرجة قبل حذف أي حساب يشتبه بأنه يعود لقاصر دون السن القانونية، وتشمل هذه الإجراءات:إخطار المستخدم بسبب الاشتباه.
منحه مهلة لتقديم ما يثبت عمره.
تجميد الحساب مؤقتًا عند الحاجة.
مراجعة الاعتراضات قبل اتخاذ قرار الحذف النهائي.
كما أوجبت الفصل في الاعتراضات خلال 30 يومًا وإبلاغ المستخدم بنتيجة القرار وأسبابه.
طالبت اللائحة مشغلي المنصات بتقديم تقرير سنوي إلى هيئة تنظيم الاتصالات يتضمن:آليات التحقق من العمر المستخدمة.
عدد الحسابات التي تم تحديدها كحسابات لقاصرين.
الإجراءات المتخذة بشأنها.
عدد الشكاوى المرتبطة بالعمر.
التدابير المستخدمة لمنع التحايل.
حوادث الخصوصية أو تسرب البيانات المرتبطة بالنظام.
وأكدت مسودة اللائحة أن المسؤولية الأساسية عن الامتثال تقع على مشغلي المنصات، لذلك لا تُفرض أي غرامات أو عقوبات إدارية على الأطفال أو أولياء أمورهم.
ومنحت هيئة تنظيم الاتصالات صلاحيات واسعة لمراقبة الامتثال، تشمل مراجعة أنظمة التحقق من العمر وطلب البيانات والوثائق وإصدار التوجيهات التنظيمية.
وجاءت العقوبات المقترحة في المخالفة الأولى بالإنذار الكتابي مع مهلة لا تتجاوز 30 يومًا، وفي المخالفة الثانية غرامات تتراوح بين ألف و50 ألف ريال، ثم إلى 500 ألف ريال أو ما يعادل 1% من إيرادات المنصة داخل السلطنة في حالات التكرار، وبالنسبة للمخالفات الجسيمة والمتكررة فقد تصل عقوبتها إلى مليون ريال عُماني، مع إمكانية تعليق خدمات المنصة مؤقتًا أو تقييد الوصول إليها داخل السلطنة.
فترة انتقالية قبل التطبيقوفق المسودة، تمنح المنصات فترة انتقالية مدتها 12 شهرًا من تاريخ نشر اللائحة في الجريدة الرسمية لتوفيق أوضاعها، يعقبها 6 أشهر إضافية لمعالجة الحسابات القائمة التي تعود لقصّر، كما نصت اللائحة على إجراء مراجعة شاملة لأثرها بعد مرور عامين من بدء تطبيقها، تشمل التشاور مع الأطفال وأولياء الأمور والمعلمين ومنظمات المجتمع المدني والخبراء المختصين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك