دخلت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي نفقًا جديدًا من التوتر إثر إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي، غدعون ساعر، قطع كافة الاتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كايا كالاس، احتجاجًا على تقارير نسبت إليها تشبيه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بنظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا.
ورغم رد كالاس الدبلوماسي الذي تمسكت فيه بالحوار وبالموقف الأوروبي الداعم لحل الدولتين والمندد بالمستوطنات، فإن هذه الأزمة تعكس عمق الانقسام داخل التكتل الأوروبي وتزامنها مع ضغوط متصاعدة تقودها مسؤولة السياسة الخارجية لحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بحلول يوليو/تموز المقبل، مما يضع العلاقات بين الجانبين أمام اختبار معقد يراوح بين التصعيد السياسي والضغط الاقتصادي.
أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، اليوم الخميس، قطع كل الاتصالات مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كايا كالاس.
وجاء قرار ساعر على خلفية تقارير إعلامية وتصريحات نُسبت إلى كالاس خلال زيارتها إلى المكسيك الشهر الماضي، قيل إنها شبهت فيها معاملة إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بنظام الفصل العنصري الذي كان سائدًا في جنوب أفريقيا سابقًا.
وادعى ساعر في منشور عبر منصة «إكس» أن كالاس تصرفت بـ«هوس» و«ظلم بيّن» و«تشهير مخزٍ» ضد دولة إسرائيل، مشيرًا إلى أنها لم تنف تلك التقارير أو توضحها، مؤكدًا أن قطع العلاقات سيستمر حتى تتراجع عن تلك التصريحات.
من جانبها، ردت كايا كالاس مباشرة عبر منشور على منصة إكس موجه إلى ساعر، دون أن تتطرق بشكل مباشر إلى التصريحات المنسوبة إليها في المكسيك أو تفندها، مؤكدة التزام الاتحاد الأوروبي الدائم بعلاقة بناءة وروابط وثيقة مع إسرائيلوقالت كالاس: «أقدر حوارنا وتواصلنا، وأنا على استعداد لمواصلة هذا النهج، باحترام وبشكل بناء، فالحوار هو أساس الدبلوماسية لا سيما عند ظهور خلافات».
ورفضت كالاس اتهامات ساعر، مشددة على الموقف الأوروبي الثابت بأن حل الدولتين هو المسار الوحيد القابل للتطبيق لإحلال السلام في الشرق الأوسط، منددة بالمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية التي تجعل الوصول إلى هذا الهدف أكثر صعوبة.
من جهته، أكد الاتحاد الأوروبي تمسكه بالحوار مع إسرائيل، بعد إعلان غدعون قطع الاتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس.
وقال الناطق باسم الاتحاد الأوروبي أنور العانوني، إن كالاس أبقت على تواصل دبلوماسي متكرر مع ساعر، وإن الحوار يبقى أساس الدبلوماسية عند ظهور الخلافات.
تستند الأزمة الراهنة إلى تقرير نشره موقع «يوراكتيف» الإخباري الأوروبي في 12 يونيو/حزيران، نقل عن مسؤولين ودبلوماسيين لم يذكر أسماءهم أن كالاس قارنت سياسة إسرائيل بنظام الفصل العنصري خلال قمة مغلقة عُقدت في مكسيكو سيتي في الفترة من 20 إلى 22 مايو/أيار الماضي.
ووفقًا للتقرير، تحدثت كالاس في حوار مغلق مع دبلوماسيين مكسيكيين عن زيارة مؤثرة قامت بها العام الماضي إلى متحف الفصل العنصري في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، وقارنت الأوضاع هناك بالوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورغم انتقاد بعض الدبلوماسيين الأوروبيين لاستخدام مسؤول رفيع يتحدث باسم التكتل مثل هذه اللغة، أشار ساعر إلى أن كالاس التزمت الصمت ولم تصدر أي نفي رسمي، محذرًا من إعادة تكرار فرية الدم ضد الدولة اليهودية والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
وتقود كالاس تحركات واسعة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي للضغط على إسرائيل، حيث سارعت عدة حكومات أوروبية لدعم مطالبها بإعداد تدابير تجارية تقييدية جديدة تهدف إلى منع استيراد السلع والمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ورغم أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وهيئة المفوضين رفضت طلبات كالاس بفرض عقوبات تجارية بذريعة غياب الأغلبية المؤهلة، إلا أن اجتماعًا لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي عقد يوم الاثنين الماضي أصدر تعليمات رسمية للمفوضية بإعداد قائمة بالخيارات المتعلقة بالتدابير التجارية المحتملة ضد المستوطنات.
وأفاد دبلوماسي رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي بأن المفوضية ملزمة بتقديم ورقة الخيارات هذه قبل 13 يوليو/تموز المقبل، مشيرًا إلى وجود ديناميكية جديدة ودعم متزايد من دول مثل بلجيكا، وفرنسا، وإسبانيا، والسويد، وهولندا، لاستخدام التدابير التجارية كبديل للعقوبات التي تتطلب الإجماع وتواجه الفيتو الوطني.
يأتي الموقف الأوروبي في وقت تشهد فيه السياسة الاستيطانية الإسرائيلية تسارعًا ملحوظًا في ظل حكومة الائتلاف الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو بالضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967، حيث يعيش الآن أكثر من 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات تعتبرها معظم دول العالم والاتحاد الأوروبي غير قانونية بموجب القانون الدولي وعائقًا أمام السلام، مقارنة بنحو ثلاثة ملايين فلسطيني.
وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض بالفعل في مايو/أيار الماضي عقوبات على ثلاثة أفراد وأربعة كيانات مسؤولة عن انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين في الضفة، وهو ما رفضته إسرائيل تمامًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك