خلال أيام سوف يلتقي ممثلو مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان في القاهرة، ليكون هذا الاجتماع هو الرابع بين الدول الأربع، بعد ثلاثة اجتماعات أساسية عُقدت في كل من الرياض، وإسلام آباد، وأنطاليا.
والسؤال الذي يردده بعض المراقبين الآن هو: هل نحن أمام مجرد آلية للتشاور والتعاون والتنسيق، أم يمكن أن يتطور الأمر إلى تحالف حقيقي، خصوصا في شقه الأمني؟ ، وإذا حدث ذلك، فمن سيكون العدو؟قبل عشرة أيام قابلت، في القاهرة، دبلوماسيا عربيا مطّلعا على الاجتماعات الرباعية، وسألته مباشرة: هل ما نحن بصدده مجرد تعاون، أم تحالف، أم ماذا؟الإجابة كانت واضحة: " نحن بصدد تعاون وتشاور وتنسيق في إطار منصة، أو آلية آخذة في التبلور يوما بعد يوم، لكننا لسنا بصدد تحالف، ولا نريد أن نبدو في صورة تحالف الآن، لكن الأمر برمته متوقف على طبيعة التطورات في المنطقة".
الإجابة ببساطة، ومن دون لف أو دوران هي إسرائيل وبلطجتها، والتي كانت السبب الرئيسي في ظهور هذا التحالف.
فعدوانها المستمر على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم لبنان، وأخيرا حربها على إيران، جميعها دفعت البلدان الأربعة إلى البحث في التعاون والتنسيق، حتى تحد من التمدد الإسرائيلي الذي وصل إلى درجة من الانفلات، والجنون صارت تهدد ليس فقط استقرار منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، بل هوية المنطقة وخرائطها، حيث سمعنا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقول بوضوح إنه يريد إعادة رسم خريطة المنطقة، ثم تجاسر أكثر بالقول إنه متعاطف مع فكرة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
بيد أننا لم نسمع مسؤولا من الدول الأربع يتحدث علنا بأن الرباعي سيكون ضد إسرائيل، لكن نتنياهو في 22 فبراير/شباط الماضي، قال الكلام الأكثر وضوحا بما يقترب من الفجاجة.
يومها قال: " الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق، ونحن مستعدون لأي سيناريو، فقد أزلنا قبضة محور الشر الإيراني، ومستعدون للتصدي للمحور السني الآخذ في التشكل، وذلك عبر تشكيل محور جديد يضم أمريكا، وإسرائيل، والهند، واليونان، وقبرص، ودولا عربية في المنطقة"، لم يسمها.
ما الذي كان يقصده نتنياهو؟البعض قال إنه قصد علنا حركات المقاومة الإسلامية مثل حماس في غزة، لكنّ آخرين قالوا إنه كان يعني فعلا الدول الأربع، وهي مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، وأي دولة تتضامن معها، أو تناصر الحق الفلسطيني، وتعارض البلطجة الإسرائيلية.
وما يعزز ذلك ما حذر منه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، حينما قال: " هناك محاولات تركية لتأليب السعودية ضد إسرائيل، وتشكيل محور سني معادٍ، يشمل باكستان المسلحة نوويا".
ثم انتشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية موجة واسعة تدعو لضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة في المستقبل مع كل من تركيا، ومصر، وكان من أبرز هذه الأصوات الإسرائيلية الحاضرة في أمريكا جوناثان بولارد، الذي صار أحد أبرز صقور اليمين المتطرف في إسرائيل.
قد يكون مفهوما أن تتحدث أصوات إسرائيلية بهذه اللهجة شديدة التطرف.
لكن السؤال: هل، فعلا، التنسيق الرباعي موجه للتصدي إلى محاولات الهيمنة الإسرائيلية؟من وجهة نظري أن الإجابة هي نعم مؤكدة، وقد سألت العديد من السياسيين والدبلوماسيين المصريين السابقين، وكانت إجاباتهم دون تردد هي نعم.
لكن حينما سألت بعض الدبلوماسيين الحاليين، كانت الإجابة شديدة الدبلوماسية، وهي أن التنسيق الرباعي هدفه خفض التصعيد في المنطقة واللجوء إلى المفاوضات بدلا من العمليات العسكرية، وضرورة الوصول لنظام أمن إقليمي يحقق السلام في المنطقة بديلا للصدامات والصراعات.
لكن علينا أن نتذكر أن اجتماعات آلية التنسيق الرباعي بدأت بالأساس ردا على العدوان الإسرائيلي واسع النطاق في المنطقة، وكذلك الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
الاجتماع الأول كان في الرياض في 20 مارس/آذار الماضي، وعقد على هامش اجتماع وزاري تشاوري استضافته السعودية.
والاجتماع الثاني عُقد في إسلام آباد في 29 مارس/آذار، وكان هدفه المعلن هو بحث التطورات الإٍقليمية، وسبل خفض التصعيد.
وعقد الاجتماع الثالث في أنطاليا التركية في 18 أبريل/نيسان الماضي.
الملاحظة الجوهرية أنه بعد أن كان الحديث يدور بشأن خفض التصعيد، وجهود منع توسيع الحرب الأمريكية الإيرانية إقليميا، فقد تحول إلى مناقشة أكثر من ملف مهم مثل أمن الخليج والممرات البحرية، ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء الصراع الحالي.
ثم تنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
ليس خافيا أن الدول الأربع تمتلك مزايا نسبية متعددة ولها ثقل كبير سياسيا واقتصاديا وعسكريا وحضاريا في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، ويمكنها إن أحسنت إدارة هذا التعاون أن تغير من صورة اليوم التالي، في المنطقة، بما يسقط الأوهام الإسرائيلية، ويحد من نوايا التوسع الإيرانية.
ليس خافيا القدرات العسكرية والاقتصادية للدول الأربع، وهي جميعا لديها علاقات طيبة مع الولايات المتحدة، ومعظمها لديها تواصل واتصالات مستمرة مع إيران، وبعضها لها علاقات مع إسرائيل نفسها مثل تركيا، ومصر.
نعود إلى الاجتماع المتوقع في القاهرة، فالاجتماعات الثلاثة السابقة وضعت أساسا متينا للتنسيق بين البلدان الأربعة، خصوصا فيما يتعلق بترتيبات اليوم التالي، ومستقبل الإقليم.
التصريحات المصرية تقول بوضوح إن" الدول الأربع تعمل وفق رؤية موحدة تهدف إلى استعادة الهدوء والأمن والاستقرار في المنطقة بشكل دائم، والوصول إلى نتائج ملموسة تساهم في حماية مصالح الشعوب من تبعات الحرب والتوترات المتزايدة".
والسؤال البديهي: من هو الطرف الذي يهدد استقرار المنطقة ومصالح شعوبها؟الإجابة لا تحتاج إلى جهد كبير، ولمعرفة هذا الطرف فهو الذي يسعى بعجرفة واضحة إلى إخضاع كل المنطقة لخرافاته وأوهامه.
وقد سمعت من دبلوماسي عربي أن هذه الآلية ستكون مفتوحة لمن يريد الانضمام إليها، ما دام أنه يتوافق مع أهدافها، وليس مستبعدا أن يحدث ذلك قريبا.
ومن الطبيعي أن تتوجس إسرائيل من هذا التعاون أو التنسيق، خصوصا إذا بدأ يتخذ صورة التحالف.
وما يزعج إسرائيل أكثر أن يتحول الكلام من السياسة والدبلوماسية إلى التنسيق الأمني مثلا.
وهناك تقارير إسرائيلية تتحدث عن قلق إسرائيلي وأمريكي من تزايد التعاون الأمني بين مصر، وتركيا.
فالبلدان تمكنا إلى حد كبير من تجاوز الخلافات الحادة، والتواصل السياسي بينهما صار على أعلى مستوى.
وهناك تقارير إعلامية تقول إن واشنطن طلبت من سفاراتيها في القاهرة وأنقرة تقييم طبيعة هذا التقارب وحدوده؛ خشية أن يتحول إلى مسار إقليمي يصعب ضبطه بالأدوات التقليدية.
وهناك تقارير أخرى تتحدث عن تعاون أمني وعسكري بين البلدين، لا يقتصر فقط على الاقتصاد والسياحة، بل وصل إلى المناورات مثل" بحر الصداقة" بعد توقف دام 13 عاما، بل هناك اهتمام مصري بمنظومات تركية متقدمة مثل المسيرات والصواريخ، بما يتجاوز الشراء إلى التصنيع المشترك.
تخشى إسرائيل أن يؤدي تعزيز العلاقات المصرية التركية إلى تغيير المعادلات الراهنة سواء في شرق المتوسط، أو ليبيا، أو القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
إسرائيل راهنت على توقيع اتفاق سلام مع بعض الدول قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتفاجأت بأن الأمر قد اختلف تماما، حيث استدارت الكثير من الدول لعقد اتفاقيات وترتيبات أمنية إقليمية، مثلا الرياض وقعت في 17 سبتمبر/أيلول الماضي اتفاقية تعاون دفاعي مشترك مع باكستان النووية التي لا تعترف بإسرائيل أصلا.
وهناك قناعة خليجية آخذة في التنامي بأن الاعتماد على التحالفات العسكرية الأجنبية صار أمرا مشكوكا فيه.
ورغم أن الاتفاقية جاءت على خلفية العدوان الإسرائيلي على المنطقة، فإن صداها لم يكن جيدا في واشنطن أو تل أبيب، خصوصا مستوى العلاقات المتميز جدا بين كل من الرياض وإسلام آباد، علما أن الاتفاق في الأساس يمكن أن يكون رسالة ردع لإيران أيضا.
السؤال الختامي: هل الطريق سالك أمام تنامي هذا التنسيق أو التخالف الرباعي؟الإجابة هي لا، فالتحديات كثيرة، والخلافات والتباينات بين الدول الأربع موجودة، وهناك تفاوت في الرؤى.
ثم إن المتضررين من هذا التعاون كثر، والأمر يتوقف على قدرة الأطراف الأربعة على تنسيق مواقفهم والتغلب على خلافاتهم القديمة، وعدم استفزاز الولايات المتحدة، والأهم أن تكون الرسالة واضحة لإسرائيل وإيران، بأن رسم خريطة المنطقة مجرد وهم، وأن أهلها فقط هم أصحاب الأمر في هذا الصدد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك