بعد نحو 4 أشهر من الانتظار في مياه الخليج وخليج عُمان، بدأت سفن تجارية وناقلات نفط وغاز في عبور مضيق هرمز مجددا، في مؤشر مبكر على تحرك الملاحة داخل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، عقب دخول الاتفاق الأمريكي الإيراني حيز التنفيذ.
لكن المشهد الملاحي في المضيق لم يعد بعد إلى وضعه الطبيعي؛ فعدد السفن العابرة لا يزال دون مستويات ما قبل الحرب، والمسارات التي فرضتها إيران لا تزال مستخدمة، في حين يستمر التشويش على أنظمة الملاحة قرب المضيق وخليج عُمان.
list 1 of 2من تحت الركام إلى الطرق الجديدة.
ماذا تفعل إيران في منشأة كرمنشاه الصاروخية؟list 2 of 2سفن إيرانية تعبر علنا خط الحصار الأمريكي.
ماذا تقول بيانات الملاحة؟وأظهرت بيانات ملاحية رصدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عبور 15 سفينة مضيق هرمز منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ في وقت مبكر من صباح 18 يونيو/حزيران الجاري.
وشملت الحركة 7 ناقلات نفط، وناقلة غاز مسال، و5 سفن لنقل البضائع، وناقلة مركبات، وسفينة ركاب، في أعلى حركة يومية لناقلات النفط ترصدها الوحدة منذ بدء الحصار البحري الأمريكي قبل نحو 66 يوما.
وتشير حركة السفن المحيطة بالمضيق إلى احتمال ارتفاع عدد العابرين مع نهاية اليوم، إذ أظهرت بيانات التتبع البحري سفنا إضافية تتحرك باتجاه مسارات العبور من جهتي الخليج وخليج عُمان.
من بين السفن التي عبرت المضيق، رصدت الوحدة مرور ست سفن للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، وذلك بعد بقائها في مياه الخليج أكثر من 111 يوما منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وتضم هذه المجموعة ناقلة الغاز المسال" مرايخ" (MRAIKH)، وناقلتي النفط" تونج ليان وان" (TONG LIN WAN)، و" يي تشي" (YE CHI)، إلى جانب سفينة ركاب تحمل اسم" هرمز" (HORMUZ)، وسفينة البضائع السائبة" جوسكو شانزو" (JOSCO SHUNZHOU)، وناقلة المركبات" غراندي تورينو" (GRANDE TORINO).
وتعكس جنسيات هذه السفن تنوعا في الأطراف التي بدأت اختبار العبور بعد الاتفاق، إذ ترفع" غراندي تورينو" علم إيطاليا، وترفع" مرايخ" علم فرنسا، وقد تحركت من ميناء رأس لفان القطري، وتتجه إلى ميناء كراتشي في باكستان.
بينما ترفع السفن الثلاث المرتبطة بشركات صينية علم هونغ كونغ، وترفع سفينة الركاب" هرمز" العلم العُماني.
ورغم أن الحرس الثوري الإيراني لم يفرض قيودا معلنة على السفن الصينية، فإن بيانات ملاحية -كانت وحدة المصادر المفتوحة قد رصدتها سابقا- وثّقت تراجع عدد من السفن المرتبطة بالصين عن العبور بعد وصولها إلى محيط مضيق هرمز، إذ ظل المرور مرهونا بتصريح العبور وفق ترتيبات الملاحة التي فُرضت خلال الحرب.
وضمن حركة 18 يونيو/حزيران، عبرت ناقلتا النفط" تونغ لين وان" و" يي تشي"، إلى جانب سفينة البضائع السائبة" جوسكو شانزو"، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.
وترتبط هذه السفن بشركات مقرها الصين، وظلت عالقة طوال فترة الحرب.
ومن بين 15 سفينة عبرت هرمز اليوم، تكشف البيانات الملاحية عبور 4 ناقلات نفط، وسفينة بضائع سائبة، وسفينة حاويات، تديرها جميعا شركات مقرها الصين، وهو ما يعني أن قسما وازنا من حركة العبور الأولى بعد الاتفاق ارتبط بسفن صينية.
وتظهر البيانات أيضا اتجاه سفينتين إضافيتين لنقل البضائع السائبة نحو مسارات عبور المضيق، هما" شينغ تاي" (SHENG TAI) و" شين تشي منغ" (XIN QI MENG)، وتظهر في بياناتهما الملاحية إشارات إلى ملكية أو ارتباط صيني.
عبرت ناقلة المركبات الإيطالية" غراندي تورينو" مضيق هرمز بعدما ظلت عالقة في منطقة انتظار السفن قبالة سواحل الإمارات، وهي تتجه حاليا إلى ميناء سنغافورة، وتديرها شركة مقرها إيطاليا.
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، عبر حسابه على منصة إكس، نجاح السفينة التجارية الإيطالية في عبور مضيق هرمز، قائلا إنها من أوائل السفن التي مرت عبر الممر المائي عقب ساعات من توقيع الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة وإيران.
ويمثل عبور" غراندي تورينو" حالة لافتة، لأنها لم تكن ضمن السفن الإيرانية أو الصينية التي دار حولها جانب كبير من قيود العبور، بل سفينة أوروبية عالقة اختبرت المسار الجديد بعد الاتفاق.
في مسار مختلف، عبرت سفينة ركاب تحمل اسم" هرمز" وترفع العلم العماني المضيق للمرة الأولى منذ الحرب، لكن بمحاذاة السواحل العمانية.
ويظهر تحليل مسار السفينة أنها كانت تعبر المضيق عدة مرات قبل الحرب، ثم ظلت عالقة في مياه خليج عُمان، وهو ما يجعل عبورها الحالي مؤشرا على عودة جزئية للحركة المحلية والإقليمية عبر الممر.
وسلكت سفينة البضائع" إم إس في سفينة الزهراء" (MSV SAFINA AL ZAHRA) المسار ذاته، إذ غادرت ميناء خليفة بن سلمان في البحرين واتجهت لعبور المضيق نحو خليج عُمان، دون إعلان وجهتها النهائية في بيانات التتبع المتاحة.
وتظهر هذه المسارات أن السفن لا تعود إلى النمط التقليدي دفعة واحدة، بل تتحرك ضمن ممرات محددة ومحسوبة، بعضها بمحاذاة الساحل العماني، وبعضها عبر المسار الذي حددته السلطات الإيرانية جنوب جزيرة قشم.
أعلى حركة للناقلات منذ بدء الحصارشهد يوم 18 يونيو/حزيران عبور 7 ناقلات نفط وناقلة غاز مسال لمضيق هرمز في الاتجاهين، في أعلى معدل يومي لناقلات النفط ترصده وحدة المصادر المفتوحة منذ بدء الحصار الأمريكي في 13 أبريل/نيسان الماضي.
ويعتمد هذا الرصد على حصر السفن العابرة التي أبقت إشارة التعريف الآلي مفتوحة أثناء المرور، مما يعني أن الرقم يخص الحركة المرصودة علنا عبر منصات التتبع، ولا يستبعد وجود تحركات أخرى غير مرئية إذا أطفأت بعض السفن أجهزة البث.
ورغم أن حركة اليوم أقل بكثير من مستوى ما قبل الحرب، الذي بلغ 138 سفينة يوميا بحسب بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية" UKMTO"، فإنها تمثل تغيرا واضحا بعد أسابيع من التراجع والانتظار على طرفي المضيق.
وتظهر بيانات المسار استمرار السفن في استخدام الممر الذي حددته السلطات الإيرانية جنوب جزيرة قشم، بدلا من العودة الكاملة إلى نظام المرور التقليدي في المضيق.
ولا يعني عبور 15 سفينة أن مضيق هرمز عاد إلى وضعه المعتاد، فالمرور الحالي يبدو أقرب إلى فتح تدريجي ومحدود، يخضع لحسابات أمنية وملاحية، في انتظار اتضاح الترتيبات التي ستنظم حركة السفن بعد الاتفاق.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد قال إن الفتح الكامل للمضيق سيبدأ يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران، بالتزامن مع عمليات التطهير والتأمين.
وتربط هذه التصريحات بين استئناف الملاحة وبين ملف إزالة الألغام وتأمين الممرات البحرية، وحسب تقديرات نشرتها مجلة" فوربس"، تمتلك إيران ترسانة تتراوح بين 2000 و6000 لغم بحري، يمكن نشرها عبر زوارق صغيرة أو غواصات أو سفن تجارية معدلة.
ومع أن هذه التقديرات لا تعني بالضرورة وجود ألغام مزروعة حاليا، فإنها تفسر جانبا من الحذر الملاحي واستمرار الحركة المقيدة عبر مسارات محددة.
ورغم وقف إطلاق النار، والوصول إلى محطة توقيع مذكرة تفاهم بين طرفي الصراع، يستمر التشويش في مضيق هرمز، حيث رصدت الوحدة تداخل إشارات الملاحة قرب مضيق هرمز وخليج عُمان وقبالة السواحل الإماراتية.
وأظهرت لقطات" مارين ترافيك" تراكب مواقع عدد كبير من السفن، فوق اليابسة، وفي نقاط متقاربة، مع مسارات طويلة ومتداخلة تمتد في اتجاهات متعارضة، وهو نمط لا يتسق مع حركة الملاحة الطبيعية.
بينما تقف مئات الناقلات عالقة على طرفي مضيق هرمز، انتظارا للكشف عن بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني، لا يزال الإطار التشغيلي والإداري المستقبلي لمضيق هرمز يكتنفه الغموض؛ ففي حين يطالب ترمب بجعل المضيق ممرا مائيا حرا بصفة دائمة، أعلنت إيران أن حركة الملاحة البحرية" ستنظم من قبل إيران بالتنسيق مع سلطنة عُمان" عبر تحصيل رسوم، بدعوى أسباب ظاهرية تتعلق بالسلامة، أو البيئة، أو متطلبات التأمين.
وأوضح مراسل الجزيرة عدنان بوريني أن الخطاب الرسمي في إيران يرتكز على مسألة أن مياه مضيق هرمز ليست دولية، بل هي مياه إقليمية تخضع لسيادة إيران وسلطنة عُمان.
وتؤكد طهران أن التنسيق بشأن ترتيبات العبور عبر هذا المضيق الإستراتيجي يقتصر على الدولتين، لكن مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران أخيرا أشارت إلى إمكانية التشاور مع دول المنطقة إذا استدعت الحاجة ذلك.
وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف -خلال مقابلة تلفزيونية- إن بلاده ستتلقى رسوم خدمات من السفن التي تعبر مضيق هرمز.
وأشار بوريني إلى أن هذه الرسوم مرتبطة بالملاحة والتأمين والأضرار البيئية.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة ودول أوروبية أن حرية الملاحة يجب أن تستعاد من دون قيود أو رسوم مفروضة على العبور الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك