على مدار أكثر من ثلاثة عقود، عاش إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الإسلام السياسي والمنشق عن جماعة الإخوان، داخل التنظيم متنقلًا بين مواقع ومسؤوليات مختلفة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديه.
رحلة بدأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي بدافع البحث عن مشروع ديني وحضاري يجيب عن الأسئلة الفكرية والروحية لشاب في مقتبل العمر، وانتهت بمواجهة فكرية وتنظيمية مع الجماعة بعد سنوات من التساؤلات حول طبيعة مشروعها وأهدافها الحقيقية.
في هذا الحوار، يكشف إبراهيم ربيع كواليس انضمامه إلى جماعة الإخوان، وأسباب بقائه داخلها لعقود، والمحطات التي دفعته إلى مراجعة أفكاره والانفصال عنها، كما يقدم رؤيته لطبيعة التنظيم وأدواته وآليات عمله.
في البداية.
لماذا انتميت إلى جماعة الإخوان؟في عام 1979، كنت في السابعة عشرة من عمري، وهي مرحلة عمرية تتسم بالحماس والبحث عن الذات والإجابات الفكرية والروحية.
في ذلك الوقت كان عدد من القيادات الشابة قد لعبوا دورًا رئيسيًا في إعادة بناء التنظيم بعد خروج قيادات الإخوان من السجون، وعلى رأسهم عبدالمنعم أبو الفتوح، إلى جانب خيرت الشاطر وإبراهيم الزعفراني وأبو العلا ماضي ويحيى إسماعيل.
هذا الخماسي كان من أبرز مهندسي التأسيس الثاني للتنظيم، بعدما احتضنت قيادات الإخوان الشباب الذين أسسوا ما عُرف آنذاك بالجماعة الإسلامية داخل الجامعات المصرية، لينتشر التنظيم بعد ذلك بصورة واسعة في الجامعات والأحياء المصرية.
وكأي شاب في هذه المرحلة العمرية، كنت أبحث عن إجابات لأسئلة فكرية وروحية كبرى، وتوهمت أنني وجدت ضالتي داخل مشروع حضاري قادر على إنقاذ العالم من التيه والضلال.
كان لهذا المشروع بريق كبير في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتحق به آلاف الشباب الحالمين الذين كانوا يبحثون عن معنى ورسالة لحياتهم.
انتمائي للإخوان كان فكريًا ووجدانيًا بالأساس.
لم يكن لدي أي طموح مادي أو مصلحة شخصية.
كنت أبحث عن المدينة الفاضلة التي قدمها التنظيم لنا تحت عناوين الدين والطهر والنقاء والإصلاح.
التحقت بالتنظيم تحت رئاسة الدكتور سناء أبو زيد، وكنت معجبًا به آنذاك، كما ضم التنظيم وقتها نخبة من الأطباء والطلاب المتفوقين في مختلف التخصصات.
وكان المعلن بالنسبة لنا هو الدعوة إلى الله ونشر الفضيلة والعمل من أجل إقامة دولة تكون نواة للخلافة الإسلامية، لكنني اكتشفت لاحقًا أن الدين كان مجرد وسيلة يستخدمها التنظيم لتحقيق أهداف سياسية والوصول إلى السلطة.
متى بدأت الشكوك تدور في ذهنك؟عملت داخل صلب التنظيم الإخواني لسنوات طويلة، وتنقلت بين عدد من المواقع التنظيمية، منها أقسام التربية والدعوة والطلاب والقسم السياسي والمكتب الإداري بالجيزة ولجنة التنمية الإدارية ولجنة الصفوة والرموز التي كانت تتولى التواصل مع شخصيات رياضية وفنية وقضائية واقتصادية واجتماعية.
ومنذ عام 2000 بدأت تثار في ذهني أسئلة فكرية عميقة حول علاقة العنف بالإسلام والحركات الإسلامية، وكذلك حول الحريات التي كانت محرمة تنظيميًا، مثل حرية الضمير وحرية التفكير وحرية التعبير، فضلًا عن قضايا الردة والإكراه في الدين وتوسيع دائرة المحرمات والفتاوى التي تنظم تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كما بدأت ألاحظ مظاهر فساد مالي وتجاوزات أخلاقية داخل التنظيم، وكانت التبريرات الدائمة تتمثل في أن الجماعة تتعرض للملاحقة الأمنية وأن الظروف الاستثنائية تفرض تجاوز بعض الأخطاء.
ومتى اتخذت قرار الانفصال؟بحلول عام 2006 أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحًا.
كنت أتساءل: إذا كان الهدف عملًا مدنيًا وسياسيًا واجتماعيًا ودعويًا، فلماذا يتم بناء تنظيم حديدي قائم على التجنيد السري؟ ولماذا يتم الاعتماد على آليات أشبه بالعمل الاستخباراتي؟لكنني لم أتلقَّ إجابات حقيقية، ولم أجد مساحة للنقاش، بل واجهت تشكيكًا في مستوى إيماني والتزامي الديني.
منذ تلك اللحظة بدأت القطيعة النفسية والفكرية مع التنظيم، وفضلت الانسحاب تدريجيًا بدلًا من أن أكون شاهدًا سلبيًا أو شريكًا في مشروع لا أعرف حقيقته الكاملة رغم قضائي سنوات طويلة داخله.
بعد أحداث عام 2011 والانفلات الأمني، رأيت حالة من السعار التنظيمي للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع.
وقتها طرحت فكرة إعادة بناء الجماعة على أسس ديمقراطية والمشاركة في إعادة بناء الدولة، لكن الرد كان صادمًا.
قيل لي بوضوح: " لن نضيع انتظار ثمانين عامًا من أجل مراهقة أفلاطونية"، وقيل أيضًا إن الفرصة أصبحت مواتية للتمكين ولا يجب التفريط فيها.
عندها أعلنت موقفي بصورة واضحة، وبدأت المواجهة مع التنظيم.
كيف تعاملت الجماعة مع خروجك؟بعد إعلان موقفي تعرضت لحملات تشويه واغتيال معنوي وترويج للشائعات والأكاذيب، لكن هذه المحاولات فشلت لأن سيرتي المالية والاجتماعية لم تمنحهم ما يمكن استغلاله ضدي.
وأدركت وقتها أن استراتيجية الجماعة تقوم على تجنب النقاش الحقيقي حول مشروعها وأهدافها، مع إقناع أعضائها بأنهم ضحايا مؤامرة عالمية تستهدف الإسلام والمسلمين، وأن الأنظمة السياسية المحلية جزء من هذه المؤامرة.
كيف ترى طبيعة مشروع الإخوان؟أرى أن عقيدة الإخوان قائمة على الانتهازية واستغلال الإيمان الفطري لدى الجماهير من أجل تمكين التنظيم من الوصول إلى السلطة تحت شعار إقامة دولة الخلافة.
كما أن الجماعة تسعى في النهاية إلى مشروع تمكين يتعارض مع القيم الوطنية والقومية للدول والمجتمعات، وتصر على توظيف المساجد والنقابات ومراكز الشباب والمؤسسات المختلفة لأغراض سياسية وتنظيمية، مع إهمال القضايا الفكرية والفلسفية والثقافية الحقيقية.
البناء الأخلاقي داخل التنظيم قائم على الانتهازية والاستغلال، ولذلك تجد تبريرات جاهزة لكل الممارسات التي يفترض أنها مرفوضة أخلاقيًا، مثل الكذب ونقض العهود وتشويه المخالفين والاغتيال المعنوي وترويج الشائعات والخيانة.
وكان الهدف المعلن دعويًا، لكن الممارسة كانت سياسية، أما الأداء التنظيمي فكان أقرب إلى عمليات التجنيد المغلقة.
أنصح الشباب بالعودة إلى أرشيف الجماعة ودراسة ظروف نشأتها ومسارها التاريخي، لأن فهم التاريخ الحقيقي للتنظيم يساعد على فهم سلوك أفراده وأفكاره وممارساته.
فمن وجهة نظري، فإن الإخوان تنظيم وظيفي ارتدى عباءة الدين لتحقيق أهداف سياسية ومادية، واستغل المشاعر الدينية لدى الشباب والبسطاء من أجل التوسع والنفوذ.
وما يمكن أن أقوله إن تنظيم الإخوان الذي تأسس في بدايات القرن الماضي خرجت من عباءته تنظيمات ومسارات متعددة، بعضها اتخذ غطاءً دعويًا وبعضها اتجه إلى العنف والتشدد، لكن النتيجة النهائية كانت أزمات وصراعات دفعت الشعوب أثمانها الباهظة.
ولهذا فإن السؤال الذي يشغلني حتى اليوم ليس فقط كيف نواجه التنظيم، وإنما كيف نفكك الحاضنة الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية التي نجح في بنائها وحمايتها على مدار ما يقرب من تسعين عامًا وما زالت بعض آثارها ممتدة حتى الآن.
مرت علاقتي بالتنظيم بعدة مراحل متعاقبة؛ فبين عامي 1979 و1986 عشت مرحلة الانبهار والحماس والتكوين الذاتي داخل الجماعة، ثم انتقلت بين عامي 1987 و2000 إلى مرحلة الاندماج الكامل والمشاركة في بناء وإدارة التنظيم.
ومع مطلع الألفية الجديدة وحتى عام 2006 بدأت مرحلة التساؤلات الفكرية والبحث عن الجدوى، وهي المرحلة التي شهدت تصاعد الشكوك والأسئلة حول طبيعة المشروع الإخواني.
وفي عام 2007 جمدت دوري داخل التنظيم تمهيدًا للانفصال، إلى أن جاءت أحداث 2011 لتشهد إعلان القطيعة الكاملة والمواجهة الفكرية العلنية مع الجماعة.
إذا أردت أن أختصر رحلتي كلها في جملة واحدة فسأقول إنني تركت الإخوان لأعود إلى الإسلام.
تركتهم بعدما اكتشفت الفارق الكبير بين الدين باعتباره قيمة روحية وأخلاقية وإنسانية، وبين التنظيم باعتباره كيانًا يسعى إلى التمكين والسيطرة.
تركت الإخوان لأعود إلى الوطن بعدما أيقنت أن الانتماء للأوطان لا يتعارض مع الدين كما كانوا يوحون لنا، وتركت الإخوان لأعود إلى ذاتي بعدما تحررت من القيود الفكرية والتنظيمية التي أحاطت بعقلي ووجداني لسنوات طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك