شلّ إضراب عام نفّذه المحامون، اليوم الخميس، العمل في مختلف محاكم تونس، في أحدث حلقات التصعيد بين الهيئة الوطنية للمحامين ووزارة العدل، وسط اتهامات للسلطة التنفيذية بتجاهل مطالب المهنة وتهميش دور المحامي داخل المنظومة القضائية.
وتجمّع مئات المحامين أمام عدد من المحاكم وقصر العدالة بالعاصمة تونس، رافعين شعارات تدافع عن استقلالية مهنة المحاماة والقضاء، فيما تعالت أصوات تطالب باستقالة وزيرة العدل، معتبرين أن الوزارة تتحمل مسؤولية تعمّق الأزمة التي تعيشها الأسرة القضائية وتردّي ظروف العمل داخل المحاكم.
ويأتي هذا التحرك تتويجاً لأكثر من شهر من الاحتجاجات والإضرابات الجهوية التي خاضها المحامون في مختلف ولايات الجمهورية، عقب فشل جلسات التفاوض مع سلطة الإشراف في التوصل إلى حلول للملفات العالقة.
ومنذ بداية العام الجاري، دقت الهيئة الوطنية للمحامين أجراس الخطر بشأن ما وصفته بتدهور أوضاع المهنة وتراجع ظروف التقاضي داخل المحاكم، مطالبة بفتح حوار جدي حول جملة من الإشكاليات المهنية والاجتماعية.
وقال عميد المحامين بوبكر بالثابت إن العمادة ستعود إلى هياكلها لتقييم التحركات الاحتجاجية التي خاضتها المهنة منذ نحو شهر، مؤكدا أن تحركاتهم لا ترتبط بمطالب مادية أو مهنية ضيقة فقط، بل تتصل أيضاً بالدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة باعتبارها أحد أركان العدالة وضمانة أساسية لحقوق المتقاضين.
وأكد بالثابت في تصريح لـ" العربي الجديد" أن المحامين رفعوا طيلة فترة الاحتجاجات مطالب ظلت دون استجابة منذ أشهر، من أبرزها تحسين ظروف العمل داخل المحاكم التي تعاني في عدد من الجهات من نقص، إلى جانب ضمان استقرار الدوائر القضائية.
وبحسب العميد بوبكر بالثابت، تشمل مطالب المحامين أيضاً مراجعة بعض الإجراءات القانونية والتنظيمية التي تعتبرها الهيئة الوطنية للمحامين مساساً بحقوق الدفاع وبمكانة المحامي داخل المنظومة القضائية، فضلاً عن الدعوة إلى إشراك هياكل المهنة في أي إصلاحات تخص قطاع العدالة.
ومنذ مايو/ أيار الماضي أقرت الهيئة الوطنية للمحامين سلسلة من التحركات التصعيدية بدأت بوقفات احتجاجية وتحركات جهوية، قبل أن تتطور إلى إضرابات شملت تباعاً محاكم تونس الكبرى والشمال والوسط والجنوب، وصولاً إلى الإضراب العام الوطني.
وقالت هيئة المحامين في بيان أصدرته في 8 يونيو/حزيران الجاري، إنها كانت قد تقدمت منذ 23 يناير/كانون الثاني 2026 بمذكرة تتضمن مطالبها إلى وزارة العدل للنظر فيها، في إطار مسار إصلاحي يروم تطوير المنظومة القضائية وإنقاذ صندوق الحيطة والتقاعد للمحامين، وتحسين ظروف العمل داخل المحاكم ورفع العوائق التي تحدّ من ممارسة حق الدفاع بصورة فعلية وفعالة، فضلاً عن توفير الضمانات القانونية اللازمة للمحاماة والقضاء، على أمل التفاعل معها عبر حوار مع السلطة المعنية.
وأعلنت الهيئة في البيان ذاته أنها لم تتلقَّ أي رد بشأن مطالبها، بل إن بعض المحاكم، وفق ما جاء في البيان، اتخذت قرارات وُصفت بأنها لا تستند إلى أساس قانوني، وتتناقض مع القواعد المنظمة لمهنة المحاماة، ما ساهم في تكريس وضعية ممارسة الدفاع والحطّ من مكانته.
ومنذ الإجراءات الاستثنائية التي شهدتها البلاد خلال صيف 2021، برزت خلافات متكررة حول مستقبل استقلال القضاء وحدود تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي.
ووجدت هيئة المحامين نفسها، في أكثر من مناسبة، في مواجهة مباشرة مع خيارات السلطة، سواء من خلال بياناتها أو عبر مشاركتها في تحركات حقوقية رافضة لبعض الإجراءات القضائية.
كما تعتبر الهيئة أن تراجع الحوار المؤسساتي بين وزارة العدل والهياكل المهنية قد ساهم في تعميق الأزمة، محذرة من أن استمرار حالة القطيعة قد ينعكس سلباً على سير العدالة وعلى حقوق المواطنين في التقاضي والدفاع.
وأثار الإضراب العام جدلاً بشأن تأثيره على مصالح المتقاضين، إذ تم تأجيل عدد من الجلسات وتعطلت إجراءات قضائية في عدة محاكم.
ويرد المحامون على هذه الانتقادات بالتأكيد أن مسؤولية تعطيل المرفق القضائي لا تتحملها التحركات الاحتجاجية وحدها، بل تعود أساساً، إلى ما يصفونه بتراكم الاختلالات داخل المحاكم وعدم الاستجابة للمطالب التي رفعتها المهنة منذ سنوات.
في المقابل، تؤكد وزارة العدل تمسّكها بضمان استمرارية العمل داخل المحاكم وحماية مصالح المتقاضين، مشددة على أن الإصلاحات الجارية تهدف إلى تطوير أداء المرفق القضائي وتعزيز نجاعته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك