القاهرة – «القدس العربي»: بدأت دور العرض السينمائية العربية هذا الأسبوع عرض فيلم «القصص» للمخرج والكاتب المصري – النمساوي أبو بكر شوقي، بعد جولة أولى في منصات المهرجانات الدولية، شملت مهرجان «تالين لليالي السوداء» ومهرجان «البحر الأحمر السينمائي».
ويأتي هذا العرض التجاري ليقدم تجربة سردية وتاريخية تختلف في بنيتها عن الأنماط السائدة في الموسم السينمائي الحالي.
الفيلم، الذي يجمع في بطولته أمير المصري، ونيللي كريم، وكريم قاسم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، يتجاوز الصيغة الرومانسية التقليدية ليركز على فكرة الجغرافيا وأثر المسافة في صياغة العلاقات الإنسانية.
تتحرك الحبكة الدرامية للعمل في مساحة زمنية ممتدة ومفصلية، تبدأ من عام 1967 وتصل إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
ويتتبع الفيلم قصة عازف بيانو مصري شاب يحاول شق طريقه المهني والإنساني وسط عائلة تنتمي للطبقة المتوسطة، بالتزامن مع نشوء علاقة عاطفية تجمعه بفتاة نمساوية، حيث تشكل «الرسائل البريدية الورقية» الرابط الوحيد بينهما عبر القارات.
من خلال هذا السرد، يستعرض انعكاس الحروب والتحولات الاجتماعية على البنية الاجتماعية والنفسية للأفراد.
فالرسائل المتبادلة في الفيلم تتحول إلى أداة لتشريح مفاهيم مثل «الانتظار»، و»صعوبة التواصل»، وأزمة الهوية التي يواجهها المغترب العربي في فضاءات وثقافات مغايرة.
على المستوى الجمالي، يعتمد الفيلم على بناء بصري قاده مدير التصوير وولفجانج ثالر، حيث جرى الاعتماد على مستويات إضاءة وتدرجات لونيّة دافئة تعيد إنتاج مناخات السبعينيات والثمانينيات في قاطعتي القاهرة وفيينا، دون السقوط في فخ «النوستالجيا السياحية» أو الديكورات المصطنعة.
هذا الملمس البصري الكلاسيكي يفرض بدوره مقارنةً موضوعية هادئة حول طبيعة المشاعر الإنسانية؛ إذ يرصد كيف كان الجهد المبذول في صياغة الرسالة الورقية وانتظارها يمنح العلاقات عمقاً نفسياً وثقلاً ووجدانياً، في مقابل سيولة وسرعة قنوات الاتصال في العصر الراهن.
اتسم الأداء التمثيلي في العمل بمحاولة الابتعاد عن النمطية؛ حيث قدم أمير المصري ملامح نفسية متزنة لشخصية الموسيقي المغترب الممزق بين طموحه الفني وجذوره، بينما شاركت نيللي كريم بحضور عكس انكسارات تلك الحقبة الزمنية وتأثيرها على العائلة المتوسطة.
يُذكر أن الفيلم يمثل نموذجاً للإنتاج المشترك بين جهات مصرية، فرنسية، ونمساوية، وهو المسار الذي بات يشكل مساحة أساسية لتمويل السينما العربية المستقلة، مما يتيح لها طرح موضوعات ذات بعد إنساني وعالمي دون الارتهان الكامل لشروط التوزيع التجاري المحلي الصارم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك