إن توقيع إتفاقية التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن وليد صدفة، بل كان نتاج حركة مد وجزر طويلة في كواليس الغرف المغلقة، أننا لسنا بصدد إتفاق نهائي بالمعنى القانوني الجاف، بل نحن أمام صيغة تعايش ضرورية فرضتها التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وإذا أردنا أن نفهم ماذا يدور في عقل واشنطن، فعلينا أن نعرف أن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط بإعتباره الساحة الوحيدة أو الأهم في صراعها الدولي؛ فهناك تنين صيني يمد أجنحته فوق بحر الصين الجنوبي، وهناك صراع إستنزاف مستمر على الجبهة الأوروبية مع روسيا،الإدارة الأمريكية ترى ضرورة نزع فتيل الإنفجار والإعتراف بأن خيار القوة العسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني مكلف للغاية، وقد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة تحرق آبار النفط وتغلق مضيق هرمز، وهو ما لا تطيقه الحسابات الأمريكية الراهنة،وترى أيضاً ضرورة إبطاء العجلة لضبط الوقت والوصول إلى صيغة لا تخصيب يفوق السقوف الحرجة مقابل تخفيف منضبط للعقوبات، وأن هذا التفاهم أداة لشراء الوقت وإبقاء طهران بعيدة عن عتبة القنبلة النووية، دون الإضطرار لتقديم تنازلات إستراتيجية كبرى.
وتريد الأدارة الأمريكية التفرغ للمنافس الأكبر ونقل الأصول العسكرية والتركيز الإستراتيجي نحو المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، وهو ما يتطلب تبريد الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط.
واشنطن باتت تتعامل مع إيران كأمر واقع، وقوة إقليمية لا يمكن إسقاط نظامها من الداخل عبر العقوبات الإقتصادية وحدها، وبالتالي فإن الإحتواء الذكي هو البديل الأقل مرارة.
في المقابل، لو التفتنا صوب تل أبيب، لوجدنا حالة من الغضب العارم التي تكاد تقترب من حدود الفزع الإستراتيجي، لم يكن هذا الغضب وليد اللحظة، بل هو نابع من شعور إسرائيلي عميق بأن الولايات المتحدة الحليف الإستراتيجي والأكبر بدأت تتصرف وفق مصالحها الخاصة، متجاوزة الخطوط الحمراء الإسرائيلية.
إن الغضب الإسرائيلي يستند إلى هواجس حقيقية في العقيدة الأمنية العبرية،ترى إسرائيل أن مجرد توقيع تفاهم مع إيران، حتى لو كان شفهياً أو غير مكتوب بصيغة معاهدة كاملة، هو بمثابة إعتراف أمريكي دولي بإيران كدولة على حافة قدرة نووية، هذا التفاهم، بنظر تل أبيب، يمنح طهران الحصانة السياسية والإقتصادية دون تفكيك بنيتها التحتية النووية.
كما أن تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة سيعني ضخ مليارات الدولارات في شرايين الإقتصاد الإيراني، وتثق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأن جزءاً كبيراً من هذه الأموال سيتجه مباشرة لدعم شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، مما يعزز إستراتيجية طوق النار المحيط بإسرائيل.
وتشعر النخبة العسكرية والسياسية في إسرائيل بأن واشنطن سحبت من يدها شرعية الضربة العسكرية العنيفة، أي تحرك عسكري إسرائيلي منفرد ضد إيران بعد هذا التفاهم سيُنظر إليه دولياً وأمريكياً كخرق للإستقرار ومحاولة لتخريب جهود الدبلوماسية الدولية، مما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة ليس مع خصومها فحسب، بل مع حلفائها أيضاً.
إن الخوف الإسرائيلي الحقيقي ليس من السلاح النووي بذاته فقط، بل من التحول في الموقف الأمريكي الذي يرى في إيران شريكاً في إدارة أزمات الإقليم، وليس مجرد شيطان يجب إستئصاله.
إذا كان التفاهم قد وُقّع، وإذا كانت الإعتراضات قد سُجّلت، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: ماذا بعد؟ إلى أين تمضي المنطقة بعد هذه الخطوة؟
أولاً: سنشهد حالة من البراجماتية السياسية العالية القوى الإقليمية في الخليج، والتي تراقب المشهد بعيون حذرة، ستستمر في مسارات التهدئة والدبلوماسية مع طهران مثل المصالحات التي جرت برعاية صينية وغيرها، إدراكاً منها أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد صكاً على بياض.
ثانياً: لن تتوقف إسرائيل عن مواجهة المشروع الإيراني، لكن الحرب ستنتقل بالكامل إلى الظل، سنرى تكثيفاً لعمليات إغتيال العلماء، الهجمات السيبرانية على المنشآت الحيوية، والضربات الجوية الموضعية في الساحة السورية لتقييد حركة الإمداد، دون الإنزلاق إلى حرب شاملة.
ثالثاً: ستحرص إيران على عدم إستفزاز واشنطن، وستبقي على مستويات التخصيب تحت الخط الأحمرلتضمن إستمرار تدفق عوائدها المالية وتخفيف الضغط الإقتصادي عن كاهل مواطنيها، مما يمنح النظام إلتقاط الأنفاس وترتيب أوراقه الداخلية.
يمكننا القول إن هذا التفاهم الأمريكي الإيراني هو تجسيد للمقولة السياسية الخالدة ليس هناك صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل هناك مصالح دائمة.
لقد تصرفت الولايات المتحدة بعقلية الإمبراطورية التي تحسب أرباحها وخسائرها على رقعة الشطرنج العالمية الكبرى، بينما تصرفت إيران بعقلية حائك السجاد الذي يغزل خيوطه بالصبر حتى يحقق مراده، أما إسرائيل، فتبدو في هذه اللحظة التنافسية وكأنها تواجه حقيقة قاسية: أن العالم يتغير، وأن خطوط الحماية المطلقة قد تصبح يوماً ما خاضعة للمساومة في أسواق السياسة الدولية.
نحن لا نقف أمام نهاية الصراع في الشرق الأوسط، بل نحن أمام تغيير في قواعد اللعبة وأدوات إدارة الصراع، وتلك هي الحقيقة المكتوبة بحبر الحذر والترقب على صفحات المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك