خرجت من كربلاء طفلة لم تكمل ربيعها بعد.
خطت أولى خطواتها على أرضها، وكبرت على ضفاف الفرات، وضحكتها كانت تملأ زوايا البيت.
خرجت مع عائلتها تبحث عن نسمة هواء، عن صورة تذكارية، عن لحظة هدوء بعيداً عن ضجيج المدينة.
لم تكن تعرف أن الرحلة القصيرة ستتحول إلى وداع طويل.
وصلت إلى حلبجة، المدينة التي تعلمت من تاريخها أن الفرح إذا طال، يأتي بعده وجع.
استقبلتها الجبال بضبابها البارد، واستقبلتها الجداول بخريرها الذي يشبه همس الأمهات.
ركضت الطفلة بين الأشجار تلتقط الزهور، تسابق الفراشات، وتسأل أمها: " يمه، ليش المي يغني؟ ".
لم تكن تعرف أن الماء الذي يغني اليوم، سيبكي غداً على صدرها.
لحظة واحدة.
يد صغيرة فلت من قبضة الأم، وخطوة زلّت قرب حافة الجدول، وصرخة قصيرة قطعت أنشودة الطبيعة.
ثم سكوت.
سكوت أثقل من كل الضجيج.
غرقت الطفلة الكربلائية في لحظات، وغرقت معها أحلام أم كانت ترسم لها مستقبلاً، وقلب أب كان يرى فيها عكازه عند الكبر.
غرقت الضحكة التي كانت تعطر البيت، وغرقت كل خطط الغد التي لم تكتمل.
واليوم غزلت حلبجة كفناً جديداً، لكنه لم يكن من قماش أبيض.
غزلته من ضباب الجبال البارد، من ندى الصباح الذي يبلل الأكتاف، من صمت الجداول الذي يشبه صمت الغرف الفارغة.
لفّت به الطفلة الكربلائية وقالت بلسان كل أم فيها: " هذه وديعتكم يا كربلاء، ونحن نحفظ الودائع كما نحفظ ذاكرتنا، كما نحفظ أسماء من رحلوا".
فتح أهل حلبجة بيوتهم للعزاء قبل أن يفتحوا أبوابهم للضيافة.
جلسوا يواسون الأم الغريبة بدموعهم قبل كلامهم.
لم يسألوا عن المحافظة ولا عن اللهجة.
سألوا فقط: " ارتاحي يمه، اشربي مي".
رجل كبير فقد عائلته كلها في تلك السنة، مسح على رأس الأب وقال: " أنا ودّعت أهلي بيوم واحد، وأعرف طعم وجعك.
وبنيتكم اليوم بنتنا كلنا".
الحادثة التي جمعت بين كربلاء وحلبجة في سطر واحد من الحزن، تعيد رسم خريطة الوجع العراقي الذي لا يعرف جغرافية.
من ضفاف الفرات إلى سفوح الجبال، يبقى المشهد واحداً: عائلة فقدت طفلتها، ومدينتان تقاسمتا العزاء بصمت.
بين كربلاء التي أرسلت البراءة باحثة عن هواء، وحلبجة التي استقبلتها بضبابها وشيّعتها بدموعها، تتشكل صورة متكررة لمصير يتجاوز حدود المدينة والمحافظة.
صورة تؤكد أن الخسارة حين تمر، لا تسأل عن العنوان، ولا تفرق بين لهجة وأخرى.
اليوم تغلق صفحات التواصل على صور الطفلة وضحكتها، وتفتح الذاكرة على سؤال واحد يظل معلقاً مع كل موسم: كيف تكتب مدننا نهايات مختلفة لحكايات أطفالها؟
أهالي حلبجة لم يستقبلوا الخبر كخبر عابر، بل استقبلوه كأنه وجع قديم عاد يطرق الباب.
المدينة التي تحفظ أسماء من رحلوا في ذاكرتها أكثر مما تحفظ أسماء شوارعها، فتحت صدرها للطفلة القادمة من كربلاء كما تفتحه لكل من يبحث عن عزاء.
من كربلاء إلى حلبجة، من الفرات إلى سيروان، يبقى المشهد الذي رأيته بعيني: عائلة فقدت، ومدينة احتضنت.
وفي سجل حلبجة اليوم، سطر جديد لا ينتمي لجبالها، لكن الوجع جعله منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك