تظل العلاقة بين الجماعات الإسلامية والدولة الوطنية الحديثة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر السياسي المعاصر، فبينما تقوم الدولة الحديثة على مفاهيم السيادة والحدود الجغرافية والمواطنة المتساوية، تطرح التنظيمات الإسلامية تصورًا مختلفًا للانتماء يتجاوز الجغرافيا والحدود السياسية.
ويرى باحثون في شؤون الإسلام السياسي أن الجماعات الإسلامية تقدم مفهومًا عقائديًا للانتماء يختلف عن مفهوم المواطنة الحديثة.
الوطن أم العقيدة؟
كيف أعادت الجماعة تعريف الانتماءترى دراسات متخصصة أن مفهوم الوطن في الأدبيات المؤسسة لجماعة الإخوان الإرهابية لا يقف عند حدود الدولة القومية، بل يرتبط بالانتماء العقائدي، ففي" رسالة الجهاد" و" رسالة المؤتمر الخامس"، اعتبر حسن البنا أن كل أرض يقيم فيها مسلم تُعد وطنًا يستحق النصرة والدفاع، وطور سيد قطب هذا المفهوم في كتابه" معالم في الطريق"، حين ربط الوطن بإقامة الشريعة، واعتبر الروابط القومية والجنسية من مظاهر" الجاهلية" التي تُجزئ الأمة.
وامتد هذا الطرح إلى قيادات لاحقة، كان أبرزها تصريح المرشد العام السابق محمد مهدي عاكف عام 2006، والذي أثار جدلًا واسعًا بعد حديثه عن مصر، واعتبره منتقدو الجماعة انعكاسًا لتقديم الانتماء الأممي على الانتماء الوطني.
من المواطنة إلى البيعة.
من يملك الولاء الأول؟إذا كانت الدولة الوطنية تقوم على عقد المواطنة والمساواة أمام القانون، فإن البناء التنظيمي يعتمد على" البيعة" باعتبارها أساس العلاقة بين العضو والقيادة، فيما يجعل نظام السمع والطاعة داخل التنظيم قرارات القيادة مرجعية عليا للأعضاء، وهو ما يخلق ازدواجية في الولاء بين مؤسسات الدولة والتنظيم، ويطرح تساؤلات حول أولوية الانتماء عند التعارض.
صناعة الهوية التنظيمية.
كيف يُستخدم مفهوم" الولاء والبراء"؟يعد مفهوم الولاء والبراء أحد أكثر المفاهيم حضورًا في أدبيات الجماعات الإسلامية، حيث يستخدم لإعادة تشكيل هوية العضو، بحيث يصبح انتماؤه الأساسي للجماعة، بينما تتراجع الروابط الوطنية والاجتماعية لصالح الانتماء التنظيمي، فيما يمثل خطاب" المظلومية" عنصرا أساسيا في هذه العملية، إذ يعزز شعور الأعضاء بأن التنظيم هو الملاذ الوحيد في مواجهة ما يُنظر إليه باعتباره استهدافا من الدولة والمجتمع.
الدولة أم الخلافة؟
مشروعان على مسارين متوازيينلذلك يرى البعض أن مشروع" الخلافة" الذي تبنته الجماعة يتعارض مع أسس الدولة الوطنية الحديثة، فالدولة الحديثة تستند إلى السيادة الوطنية والحدود والدستور، بينما يقوم المشروع الأممي على تجاوز الحدود السياسية لصالح كيان أوسع تحكمه مرجعية تنظيمية وعقائدية، لذلك يجعل اختلاف العلاقة بين المشروعين علاقة تنافس فكري وسياسي أكثر منها مجرد خلاف حول إدارة السلطة.
لم يبق الجدل حبيس الكتب، بل انتقل إلى تجارب سياسية أثارت نقاشًا واسعًا، ففي مصر خلال فترة حكم جماعة الإخوان بين عامي 2012 و2013، سعت الجماعة إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما انتهى بعزل الرئيس الاخواني محمد مرسي في يوليو 2013.
كذلك الحال في تونس حيث حاولت حركة النهضة تقديم نموذج مختلف بإعلان الفصل بين النشاط الدعوي والسياسي عام 2016، إلا أن علاقتها بالتنظيم الدولي استمر حتى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021.
هل يمتد الخلاف إلى التاريخ؟لا يقتصر الجدل على السياسة، ولكنه امتد إلى الهوية التاريخية، فالجماعات الإسلامية تنظر إلى الحضارات السابقة على الإسلام باعتبارها جزءًا من" الجاهلية"، بينما تعتمد الدول الوطنية على هذا الإرث بوصفه أحد مكونات الهوية الوطنية وأحد مصادر القوة الناعمة والتنمية الثقافية والسياحية.
الدولة الوطنية التحدي الأكبر أمام الجماعات الإرهابيةيذهب عدد من الباحثين في تاريخ الحركات الإسلامية إلى أن الدولة الوطنية تمثل التحدي الأكبر أمام التنظيمات العابرة للحدود، حيث تعاملت الجماعة تاريخيًا مع الدولة الوطنية باعتبارها مرحلة مؤقتة أو نتاجًا لترتيبات سياسية حديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك