يحتفي هذا الشهر صندوق الأوبك للتنمية الدولية بيوبيله الذهبي، بعد خمسين عاماً من العمل التنموي الذي تجاوز الحدود والجغرافيا، وأسهم في دعم أكثر من 4,000 مشروع تنموي في أكثر من 125 دولة، عبر التزامات تمويلية تراكمية تجاوزت 33 مليار دولار أميركي، وخلال هذه المسيرة الممتدة، ظل الصندوق وفياً لرسالته الأساسية: تمكين الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة في المجتمعات الأكثر احتياجاً حول العالم.
فمنذ تأسيسه عام 1976، لم يكن الصندوق مجرد مؤسسة تمويل تنموي متعددة الأطراف، بل تجسيداً لقيم التضامن الدولي والتعاون بين الدول النامية، وقد ركزت عملياته على تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية، من الأمن الغذائي والطاقة والمياه والصرف الصحي إلى الرعاية الصحية والتعليم والنقل، مع تركيز خاص على أفريقيا وآسيا وامتداد أثره إلى مختلف أنحاء العالم.
ومن الإنصاف أن يُذكر أن المملكة العربية السعودية أدت دوراً قيادياً ومحورياً في مسيرة الصندوق منذ تأسيسه، انسجاماً مع نهجها الراسخ في دعم التنمية الدولية وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، فالمملكة هي أكبر مساهم في الصندوق، بحصة تبلغ نحو 34% من إسهامات الدول الأعضاء.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد الصندوق تحولاً مؤسسياً نوعياً ونمواً غير مسبوق في عملياته التنموية وحضوره الدولي، وبعد توفيق الله سبحانه وتعالى، فإن لهذا التحول بصمات واضحة ارتبطت برؤية استراتيجية طموحة قادها الدكتور عبدالحميد الخليفة، رئيس الصندوق، لتعزيز مكانة المؤسسة بين بنوك التنمية متعددة الأطراف وتوسيع أثرها العالمي.
وقد انعكس هذا التحول في نمو لافت للعمليات التنموية؛ إذ ارتفعت الالتزامات التمويلية السنوية من نحو 813 مليون دولار أميركي في عام 2018 إلى مستوى قياسي بلغ 3.
2 مليار دولار أميركي في عام 2025، بما يمثل نمواً يقارب 300% خلال سبع سنوات فقط.
كما تجسد ذلك في إطلاق الإطار الاستراتيجي لعام 2030، الهادف إلى تعبئة 20 مليار دولار من التمويلات بحلول نهاية العقد، إلى جانب تنويع مصادر التمويل والدخول إلى أسواق رأس المال العالمية.
وفي مواجهة التحديات العالمية المتسارعة، أطلق الصندوق مبادرات نوعية، من أبرزها حزمة تعزيز مرونة التجارة بقيمة 1.
5 مليار دولار، وقد تُرجمت هذه الإنجازات إلى مؤشرات دولية مستقلة، حيث حافظ الصندوق على تصنيف ائتماني مرتفع عند مستوى AA+ مع نظرة مستقبلية مستقرة، في شهادة تعكس متانة مركزه المالي وكفاءة إدارته وثقة الأسواق العالمية في رسالته التنموية.
وخلال خمس سنوات قضيتها في هذه المؤسسة العريقة، أتيحت لي فرصة مشاهدة هذا التحول عن قرب، ولم يكن الأمر مجرد نمو في الأرقام، بل نقلة نوعية في طموح المؤسسة وحضورها الدولي، وأكثر ما ترك أثراً في نفسي كان التفاني الاستثنائي في العمل، والثقة بالقيادة، والإيمان العميق برسالة الصندوق وأهدافه التنموية النبيلة.
ومن التجارب التي تجسد هذا التحول بوضوح مشاركتي مع زملاء أعزاء في الإعداد للنسخة الأولى من منتدى صندوق الأوبك للتنمية الدولية، وبرؤية الدكتور عبد الحميد الخليفة وتفاني فرق العمل، تحولت فكرة طموحة إلى منصة دولية سنوية متنامية، تتجدد في كل نسخة وتبني على نجاحاتها السابقة.
وإذا كان نصف القرن الأول قد أرسى إرثاً تنموياً دولياً راسخاً، فإن ما زُرع خلال السنوات الماضية من رؤى ومبادرات وشراكات يهيئ صندوق الأوبك للتنمية الدولية لدخول عقده السادس بثقة وطموح أكبر، بما يبشر بمستقبل أكثر إشراقاً وتأثيراً في خدمة التنمية حول العالم.
فالقيادات الاستثنائية لا تُقاس بإنجازات الحاضر فحسب، بل بما تغرسه من أسس مؤسسية ورؤى استراتيجية تمتد آثارها إلى المستقبل، وما زُرع اليوم يحمل في طياته فرصًا واعدة لعقد جديد من النجاحات والإنجازات بإذن الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك