يحاول عدد من النازحين جنوبي لبنان الصمود بالحد الأدنى، وسط ظروف معيشية عصيبة داخل مراكز الإيواء، وذلك من خلال بيع العصائر والمأكولات والحلويات وغيرها من الأصناف، أو مزاولة ما أمكن من مهنهم المعتادة، سعياً لتأمين لقمة العيش لأسرهم، إمّا عبر الاستدانة وإمّا بدعمٍ من هيئات المجتمع المدني.
في ظلّ ظروف النزوح الصعبة التي فرضها العدوان الإسرائيلي على لبنان، اختار عدد من النازحين في مركز الإيواء في مدرسة صيدا اللبنانية الكويتية الرسمية جنوبي لبنان، مواجهة تحديات اللجوء بالعمل والإنتاج، بدلاً من الاستسلام للبطالة والعوز.
وقد قرّر كثيرون منهم القيام بأعمالٍ تؤمّن لهم الحد الأدنى من الدخل، بما يساهم في إعالة عائلاتهم وحفظ كراماتهم الإنسانية.
يروي علي عدنان الشلاح، النازح من بلدة برج الشمالي بقضاء صور (جنوب)، أنّه كان قد افتتح قبل الحرب بثلاثة أشهر محلاً لبيع العصائر والفواكه الطازجة، إلا أنّ الإنذارات والاستهدافات الإسرائيلية أجبرته على النزوح نحو مدينة صيدا، وفقدان مصدر رزقه.
وبعد أكثر من شهر ونصف الشهر على نزوحه رفقة زوجته وابنته، وتراكم الهموم المعيشية والمسؤوليات المُلقاة على عاتقه، فكّر علي في مشروعٍ يساعده على تأمين مصاريفه اليومية، ولو بالحدّ الأدنى، فكان أن استدان 150 دولاراً أميركياً ليبدأ ببيع العصائر والكوكتيل داخل مركز الإيواء.
وفي حديثٍ لـ" العربي الجديد"، يؤكّد علي أنّه قبل مباشرته العمل، حصل على موافقة إدارة المدرسة والمتطوّعين واتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان" أوردا" (المسؤول عن المركز)، مشيراً إلى أنّ مشروعه ساعده على تسديد الدَّين وتأمين جزء من احتياجات أسرته، مع مراعاة ظروف النازحين من خلال اعتماده أسعاراً مدروسة والبيع بالدَّين عند الحاجة.
أما ياسر حمود، النازح من بلدة كفرتبنيت بقضاء النبطية (جنوب)، فيقول إنّه كان يمتلك مشروعاً لبيع الكعك والليمون قبل أن يطاوله القصف الإسرائيلي ويدمّر مصدر رزقه.
وعقب نزوحه رفقة عائلته، بدأ من جديد ببيع الليمون والكعك وبعض المأكولات الخفيفة التي يعرضها على طاولة صغيرة داخل مركز الإيواء في مدينة صيدا، وذلك من أجل تأمين مصدر رزق لعائلته، خوفاً من أن يطول أمد الحرب".
ويؤكّد ياسر لـ" العربي الجديد" أن المشروع تطوّر تدريجياً بفضل إقبال النازحين، رغم أنه بدأ من الصفر بعد خسائر جسيمة لحقت بممتلكاته ومحلّه التجاري.
ويشير إلى أنّه طوّر مشروعه الصغير، واشترى برّادات لحفظ العصائر، بعد أن كفله أحد الأشخاص المقرّبين لاستدانة المبلغ المطلوب.
وتتحدث نسرين سويدان، النازحة من مدينة صور (جنوب)، عن تجربتها بوصفها امرأة مُعيلة لأسرتها بعد وفاة زوجها، وتقول لـ" العربي الجديد": " كنتُ أملك دكاناً صغيراً (محل سمانة)، أعتاش منه وأعيل ولدَيّ.
لم ننزح فور بدء الحرب، لكن بعد قصف مبنى بجوار منزلنا الذي تضرّر بدوره، اضطررنا إلى النزوح نحو المدرسة الكويتية في صيدا.
وبعد فترةٍ، قرّرتُ البحث عن عمل، والاستفادة من خبرتي في إعداد المناقيش (المعجنات) على الصاج.
وبفضل دعم الأقارب بدأتُ بمشروعي المتواضع داخل مركز الإيواء".
وتضيف نسرين: " هدفي الأساسي هو تأمين المصروف اليومي لولدَيّ والعيش بكرامة".
وتوضح المنسّقة القانونية في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان" أوردا"، ملكة الحلبي، أنّ الاتحاد ينسّق منذ بداية الحرب مع إدارة المدرسة وبلدية صيدا، من أجل السماح للنازحين بإقامة مشاريع صغيرة داخل مركز الإيواء.
وتقول لـ" العربي الجديد": " تشمل المبادرة محلّات للحلاقة والعصائر والحلويات والمأكولات على الصاج وغيرها من المشاريع التي تؤمّن دخلاً للنازحين، وتتيح للأطفال شراء ما يحتاجونه من طعامٍ وشراب ضمن مساحة نزوحهم، ما يحميهم من التعرّض لأيّ خطر عند الخروج من مركز الإيواء".
وتتحدّث الحلبي عن خطط مستقبلية قد تساهم في انطلاقة نحو 32 مشروعاً إضافياً بالتعاون مع بلدية صيدا، مؤكدةً أن أبناء الجنوب يفضّلون العمل والإنتاج عوض الاعتماد الكامل على المساعدات.
بدوره، يقول محمد ترحيني النازح من بلدة عبّا في قضاء النبطية (جنوب)، إنّه اضطر إلى النزوح نحو مدينة صيدا رفقة عائلته المؤلفة من خمسة أفراد، بسبب عطل في سيارته، بعد أن كانت وجهته العاصمة بيروت التي نزح إليها خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2024.
كان محمد يزاول مهنة الحلاقة في بلدته، فقرّر استئناف عمله داخل مركز الإيواء، لإعالة عائلته.
ويؤكّد لـ" العربي الجديد" أنّه يقدّم خدمات الحلاقة بأسعار رمزية تراعي الظروف الاقتصادية للنازحين، وتوفّر له الحد الأدنى من تكاليف التعليم ومتطلبات الأسرة، وسط الأوضاع المعيشية الصعبة"، لافتاً إلى أنّ أيّ فرصة عمل تساهم بالفعل في حفظ كرامة النازحين وتأمين الاحتياجات الأساسية".
تعكس هذه المبادرات والمشاريع الصغيرة تمسّك معظم النازحين اللبنانيين بإرادة العمل والإنتاج، من خلال تحويل مراكز الإيواء من ساحات انتظارٍ إلى مصادر رزقٍ تساهم في تخفيف وطأة النزوح وتأمين مقوّمات الحياة رغم الظروف العصيبة التي فرضتها الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك