تمثل مصر في الوعي العالمي نموذجاً فريداً للدولة العظيمة، التي لا تقاس مكانتها بالقوة المادية أو الثروات العابرة فحسب، بل بالعمق الحضاري والثقافي والتاريخي الذي صاغ وجدان البشرية بأسرها، وتستمد الدولة المصرية تقديرها الاستثنائي من قادة ورؤساء وملوك العالم من هذا الرصيد الضخم، الذي يجعلها دائماً حاضرة في قلب السياسة الدولية كركيزة أساسية وعنصر اتزان لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو عالمية، ولعل التقدير العالمي لتاريخ مصر يتجلى في مواقف عفوية، لكنها تحمل في طياتها دلالات سياسية وفلسفية عميقة، تبرز كيف ينظر قادة القوى العظمى إلى هذا البلد العريق، ومن بين هذه المواقف التاريخية ما دار في كواليس العلاقات الدولية عندما سأل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ، خلال زيارة رسمية، عن عمر الحضارة الصينية وتطور تاريخها، وعندما أجابه الرئيس الصيني مفتخراً بجذور بلاده التي تمتد لنحو ثلاثة آلاف عام، فاجأه ترامب برد فوري يعكس وعيه الكامل بالمكانة المصرية وقيمتها التاريخية قائلاً، إن الحضارة المصرية هي الأقدم في التاريخ، ولعل هذا الرد لم يكن مجرد مجاملة عابرة في بروتوكول دولي، بل كان اعترافاً صريحاً ومباشراً من قمة الهرم السياسي العالمي بخصوصية الدولة المصرية، وأقدمية وجودها كمهد حقيقي لكل صور الحضارة الإنسانية والمدنية التليدة التي تعلم منها العالم قيم الاستقرار وبناء الدول.
وعلى مدار التاريخ المعاصر والحديث، تحظى مصر دائماً بحفاوة بالغة وتأكيد مستمر على دورها المحوري، وهو ما يظهر بوضوح وجلاء في كافة المحافل والقمم الدولية، حيث تتجه الأنظار دائماً نحو القائد المصري تعبيراً عن التقدير الثابت لدور القاهرة في ضبط إيقاع المنطقة وصناعة السلام وإخماد الأزمات، ولم يكن لقاء قمة مجموعة السبع التي عقدت في مدينة إيفيان الفرنسية إلا تجسيداً حياً لهذه المكانة الرفيعة، ولهذا التقدير الشخصي والمؤسسي الكبير الذي يحظى به الرئيس عبد الفتاح السيسي بين قادة وصناع القرار في العالم، ومما لفت الأنظار بشدة في هذا المحفل الدولي الكبير، وأكد على الخصوصية الشديدة لتقدير مصر ورئيسها، هو ذلك الموقف العفوي الراقي الذي رصدته الكاميرات ووسائل الإعلام العالمية عندما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجلس بجانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علي مائدة الجلسة، وحينما انتبه ماكرون من بعيد لقدوم الرئيس السيسي ناحيته، سارع على الفور بلفت انتباه ترامب بأسلوب يملؤه التقدير قائلاً، إن الرئيس السيسي قادم للسلام عليك، ليتنبه الرئيس الأمريكي على الفور ويلتفت ويقف ويبدي ترحيباً حاراً للغاية وحفاوة بالغة بالقائد المصري، هذه الحفاوة تعكس عمق العلاقة الشخصية والتقدير السياسي الكبير الذي يكنه للرئيس المصري وللدولة العظيمة التي يمثلها في هذا الجمع الدولي الهام.
هذا التقدير الرفيع وتلك الحفاوة الاستثنائية انعكسا بشكل مباشر وعميق على مضمون المؤتمر الصحفي المشترك، الذي أعقب اللقاء الثنائي المغلق بين الرئيسين السيسي وترامب، حيث شهد المؤتمر تناغماً كبيراً وتوافقاً واسعاً حول أعقد الملفات الإقليمية والدولية الساخنة، وبدأ ترامب حديثه أمام وسائل الإعلام بالإشادة الكاملة بمصر ومكانتها الدولية المرموقة، مؤكداً أنها بلد عظيم يحظى باحترام هائل وغير محدود من الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي بأسره، مشيراً إلى أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن قد وصلت في عهدهما إلى مستويات ممتازة من التنسيق المشترك والشراكة الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، كما شهد المؤتمر تبادلاً رفيعاً للرؤى حول قضايا مصيرية ترتبط بالأمن العالمي، حيث حرص الرئيس السيسي على تهنئة نظيره الأمريكي على نجاح جهوده ومساعيه الدبلوماسية في صياغة وتوقيع الاتفاق الإطاري مع إيران ووقف نزيف الحرب في المنطقة، معرباً عن تطلع مصر بأن يقود هذا المسار التفاوضي الشامل إلى إنهاء النزاعات والحروب والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط وإرساء دعائم استقرار حقيقي ومستدام، بينما شدد ترامب بلهجته الحازمة المعتادة على أن الإدارة الأمريكية تضمن بشكل قاطع عدم حصول طهران على السلاح النووي، وأن هذا الاتفاق سيسهم بوضوح في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتجنيب الاقتصاد الدولي مخاطر الكساد والتضخم التي هددت سلامة الدول لسنوات طويلة.
ولم تغب القضايا الحيوية والوجودية للدولة المصرية عن طاولة النقاش والمؤتمر الصحفي المشترك، حيث تطرق الرئيسان بعمق إلى ملف الأمن المائي وأزمة سد النهضة، وأبدى الرئيس الأمريكي خلال حديثه تفهماً كاملاً ومطلقاً لطبيعة المشكلات والتحديات الوجودية التي تفرضها هذه الأزمة الشائكة على مصر، مؤكداً أن واشنطن تولي هذا الملف اهتماماً خاصاً وتعمل بجدية عبر قنواتها على الدفع نحو حلول عادلة تضمن كامل حقوق مصر المائية التاريخية، وفي ذات السياق، حظيت جهود السلام والاستقرار في قطاع غزة بمساحة واسعة من الإشادة والتحليل المتبادل، إذ ثمن الرئيس السيسي الدور الأمريكي الفاعل في دعم مسارات التهدئة ووقف التصعيد العسكري العنيف، ومحاولة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بالشكل الكافي والمستدام للأشقاء، بينما أثنى الرئيس ترامب بشكل قاطع وقوي على الدور التاريخي والمحوري الشامل الذي تلعبه مصر، والجهود الذاتية والدبلوماسية الدؤوبة التي يبذلها الرئيس السيسي شخصياً كحجر زاوية للأمن الإقليمي، وركيزة لا غنى عنها لمنع انفجار الأوضاع في كامل المنطقة، واختتم اللقاء بتأكيد الرئيس السيسي على استمرار مصر في دفع وتطوير هذه الشراكة الاستراتيجية، مع تقديم التهنئة الحارة لترامب بمناسبة قرب احتفال بلاده بالذكرى المئتين والخمسين للاستقلال الأمريكي.
وتأسيساً على ما تقدم، فإن قمة إيفيان والمؤتمر الصحفي الذي تلاها لم يكن مجرد حدث دبلوماسي عابر في سجل العلاقات الثنائية، بل جاء ليرسخ حقيقة تاريخية وسياسية ثابتة، وهي أن قوة مصر ومكانتها الدولية تنبعان من أصالة وجودها وعمق تأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي، وإن الحفاوة والتقدير اللذين حظي بهما الرئيس عبد الفتاح السيسي من قادة القوى العظمى كالولايات المتحدة وفرنسا يعكسان بوضوح أن العالم يدرك جيداً قيمة القاهرة وقيمة الرئيس السيسي كشريك استراتيجي وصمام أمان حقيقي في مواجهة عواصف الأزمات العالمية، وسيبقى هذا التقدير الدولي دليلاً حياً على أن مصر تظل دائماً دولة عظيمة وقبلة للسياسة الدولية بفضل تاريخها الممتد في أعماق الزمن، وبفضل قيادتها الدبلوماسية الواعية المعبرة عن هذا الإرث الحضاري العريق الذي لا ينضب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك