كنا ونحن نقرأ للشاعر الناقد الصحفي محيي الدين اللاذقاني، نشعر بمهابة وإجلال، فالفاصل العُمري، والفارق المعرفي، يدفعان للاستفادة من النصّ بعيداً عن الاقتراب من الشخص، وعندما لقطتُ حساب ضيف هذه المساحة على مواقع التواصل، تشبثتُ بصاحبه، وأعدته لأزمنة الصِّبا، وحاولتُ تعريفه بسابق مودة صحفيّة، وكان يستمهلني ومضت أعوام، وعاد قبل أسابيع إلى رسائلي، وكأنه تذكّر وعده الذي قطعه، فأبى بكرم نفس، وأناقة مثقف، إلا أن يفي بما وعد، فكانت هذه الإجابات التي زادتني احتراماً لمن كنتُ أرقب كل أسبوع زاويته «طواحين الكلام».
فإلى نصّ الحوار:• في حياة كل منا «شيفرة» تتجلى على مدى حياته، ما «الشيفرة» التي تشعر أنك تفك رموزها، وتتمثل تداعياتها؟•• «شيفرتي» شجرة على رأس جبل حلمت بها طفلاً، فصارت رمزاً للأمل، وكان بيتنا في مقدمة بيوت قريتنا «سرمدا» حيث كنت أقف وأتأمل الجبل دون شجرة تزين قمته، فلما كبرت ذهبت إلى أعلى قمة مشياً، وزرعت شجرة، ولما تشردت، وتهجرت وعشت سنوات عدة في المنفى كبرت الشجرة، وصار سكان القرية يسمونها شجرة محيي الدين، وخلال سنوات الثورة كنت أذهب خلسة ومخاطرة، وأعبر الحدود لأراها، وحين يئس الناس، وأوشكوا أن يقتنعوا بالهزيمة بقيت أؤمن بانتصار الثورة، وأحلم بشجرة حرية على رأس جبل الكرامة، وحين انتصرنا، وتحررت سورية بعون الله من الفساد، والاستبداد رأيت «الشيفرة» لا تخذلني، وتفكفك رموزها بتوقيتها بكل سلاسة، ومحبة، فذهبت لأبارك لها بالنصر والتحرير.
• ماذا حملت من «سرمدا» للعالم؟ وماذا نقلت إليها؟•• نقلت للعالم من «سرمدا» ومضات سحرية من الحب والحنين للطبيعة والناس، والألفة التي دربنا عليها شيخنا المتنبي القائل:خُلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبالودّعت شيبي موجع القلب باكياونقلت ما تعلمته عن أبي الفلّاح من قيم الرجولة، ومعناها، والكرامة، وما يتفرع عنها.
أما الحرية فتعلمتها من العالم الفسيح بقاراته التي زرت معظمها، وفي بريطانيا بالذات كنت أحضر جلسات البرلمان كصحفي شاب بمتعة فيلم سينمائي خصوصاً حين أرى النواب يتخاصمون، ويختلفون، ويصرخون تحت قبة البرلمان دون استخدام العنف، فأقارنهم بحالتي أنا خريج المجتمع الذي يسوي خلافاته بالفؤوس والخناجر والسواطير، ومع فهم الحرية تعلمت أن السياسة ليست انقلابات عسكرية، وغطرسة سلطة، وقوة بل خدمة للناس وتيسيراً لشؤون المجتمع، والإنسانية.
• متى شعرت أن الأرض تُشقِي وتُسعد؟•• حين عدت إلى سورية إثر غياب في المنفى 40 عاماً، ووجدتني سعيداً بسبب، ودون سبب، حتى كدت أطير فرحاً، عندها فقط أدركت عمق تفكير من قال إن «رجل الفكر يحتاج لمسقط رأسه»، وبدأت أفهم متأخراً لماذا وجدت الاندغام والذوبان صعباً في المجتمعات التي عشت بها خارج الوطن، أما شقاء المنفى فكان مشاركة لعذابات إخوة في الوطن كنت أحس دوماً بالتقصير إن لم أقم بما يساعد على تحررهم، وخروجهم من دوامة الفقر، والفساد، والاستبداد، والتخلف.
• بين التسيير والتخيير.
هل أنت مسير أم مخير؟•• أثناء تحضيري لدراسة الماجستير عن القرامطة والحركات السرية في الإسلام، وقفت طويلاً عند المعتزلة، وأحسست أني قريب منهم في قضية التخيير، ومع تقلبات الحياة حولي في بلدان عدة، وقارات، رأيت أموراً كثيرة تحصل لصالحي، أو ضدي دون جهد مني، فعدت لقراءة الأشاعرة، وانتقلت لعصر آخر مع ابن تيمية وتلاميذه، وحين أصدرت آخر كتاب عن ولّادة وابن حزم وعصرهما وجدتني أستعير مقدمته عن الحب من ابن القيم، وللاختصار ربما كنت نصفين قُسِمَا بعدالة بين التسيير والتخيير.
• من صاحب الفضل بالأخذ باليد؟•• في البدايات أستاذي في إعدادية «سرمدا» كنجو كنجو الذي لفته أسلوبي الأدبي، وكان يطلب مني أن أقرأ بعض موضوعات الإنشاء أمام المدرسة في الطابور الصباحي ما ضاعف ثقتي بنفسي، وفي الجامعة الدكتور خالد الماغوط الذي أنقذني من الفصل النهائي بسبب قصيدة قادتني للسجن مبكراً، وتسبّبت في فصلي لمدة عام، وشعرياً أدين للشاعر السوري علي الجندي الذي نشر قصائدي الأولى على صفحات كاملة في القسم الثقافي بصحيفة «البعث» الذي كان يشرف عليه، ولي أن أضيف الدكتور محمد مصطفى هدارة الذي أشرف على رسالتي في الماجستير والدكتوراه بجامعة الإسكندرية.
• أين كانت محطة عملك الأولى؟ وما تقييمك لها؟•• في الصحافة مع ياسر الهواري الذي أخذ بيدي قبل أن يعرفني، وفتح لي أبواب مجلة «الأسبوع العربي» البيروتية قبل أن أتخرج من جامعة حلب، في وقت كانت تلك المجلة الكبيرة هي الأشهر في الساحة الإعلامية، ويكتب فيها نزار قباني، وغادة السمان، ومعين بسيسو، وطبعاً حين تجد نفسك مع هذه الكوكبة تحاول المستحيل لتقدم أفضل ما عندك، وقد قابلته لاحقاً في واحد من مهرجانات الجنادرية، وشكرته، فوجدته يتذكر الموضوع الأول الذي نشره لي على الغلاف بالخط العريض «محيي الدين اللاذقاني يكتب من حلب.
روميو وجولييت على الطريقة العصرية» وكان يتذكره، وكأنه قرأه البارحة، وبكل أسف تلك مرحلة قصيرة لم أتمتع بها بعد أن قطعتها الحرب الأهلية اللبنانية.
• كيف ترى العمل الصحفي من منظور ثقافي؟•• كنت أودّ لو بدأت في الصحافة السياسية، لكن سقف الحريات في العالم العربي في زمن جيلي لم يكن يسمح بذلك، فالصحف كانت إما للقذافي، أو لصدام، قبل أن تنتعش منابر الإعلام الخليجي، لذا يممت نحو الثقافة، وبدأت بخلط الأدب بالسياسة، وهي معادلة صعبة لأن عليك أن تمرر أفكارك من فوق رأس رقيب عربي في كل عاصمة حتى وإن كنت تكتب من لندن، ولأني لست مقتنعاً بنظرية الفن للفن والأدب للأدب، كنت على خلاف مع روّادها وهم كثر يفتقدون شجاعة المواجهة، فيختبئون خلف الشعارات والنظريات، وحين أشرفت على الثقافة وصفحات الفنون والتراث بـ«الشرق الأوسط» وجدتها مناسبة لأفتح تلك الصفحات أمام المواهب الحقيقية في وسط ثقافي يعج بالشللية والمحسوبيات والنرجسيات، ومن حسن الحظ كان رئيسا التحرير اللذان عملت معهما عثمان العمير وعبدالرحمن الراشد يدعمان هذا التوجه.
• كتبت الشعر والسرد والنقد والمسرح والصحافة.
أيها القريب إلى القلب؟•• الشعر والمسرح هما الأقرب إلى القلب، ولاقت مسرحيتي الأولى «الحمام لا يحب الفودكا» التي سخرت فيها من ديمقراطيات (99,9) في العالم العربي، إقبالاً طيباً في القاهرة والكويت، وفي الشعر كنت متحمساً، وقبل أن يفتر حماس الشباب اكتشفت أن الرائج هو الشعر السياسي على حساب الشعر الإنساني الذي لا تجد له جمهوراً، وقلت ذات مرة ساخراً في أمسية لي بجامعة لندن: حين كنت أكتب الشعر السياسي كانوا يحملونني على الأكتاف، ولما بدأت أكتب الشعر الإنساني تلفتُّ فلم أجد حولي أحداً، أما الصحافة فقد كانت حبي الأول، وما تزال لها مكانة عالية في نفسي لأنها كانت وما تزال بوابة الأدب، والنقد الأدبي.
• ما مزايا العمل في صحافة المهجر؟•• يظن البعض أننا في المهجر أكثر حرية، وهذا غير صحيح، فالرقيب الذي وقف على رؤوسنا داخل الوطن، ظل يمارس رقابته خارج البلاد بـ«الريموت كنترول»، وفي النهاية تشردنا بين منابر كثيرة إلى أن أدركنا أن أجندة الناشر والممول هي المسيطرة وهذا ما يحدث في كل صحافة العالم وليس عندنا فقط، وإذا كانت لصحافة المهجر ميزة فهي المهارات التي تكتسبها من الاحتكاك بالصحافة الغربية، وأيضاً تعلم الكتابة في ظل قوانين لا تبيح الإساءة للآخرين، ولا الردح والشتم والإهانات والعنصرية.
• أورد الدكتور عثمان الصيني في سيرته أنك وقفت معه على بعض المواقع والأطلال في المملكة.
بماذا خرجت من تلك الوقفات؟•• سقى الله تلك الأيام ما أجملها، نعم وقفنا؛ صديقي الراحل صالح العزاز وأنا مع الدكتور عثمان الصيني على مواقع في الطائف، ومكة المكرمة، وفي وادي فاطمة وكنت حينها أشتغل على فصل للشاعر عمر بن أبي ربيعة من كتاب «الشعر وروح المكان» الذي أنتجته قناة «العربية» لاحقاً برنامجاً تلفزيونياً، وانشغلت خلال الثورة السورية عن النشر، لكني سأواصل هذا العام استكمال ذلك الكتاب وفاءً لذكرى صالح العزاز الذي رافقني أيضاً إلى الزلفي ووادي مرخ ورماح ومنفوحة، وكنا وقتها نحتسي القهوة صباحاً عند علّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، ونتدارس معه خط سير القبائل قبل أن ننطلق لنعاين ماذا بقي من روح الأمكنة في تلك البقاع التي عاش فيها كبار شعرائنا، ونالت تلك الحلقات عن أمكنة الشعراء اهتماماً استثنائياً إلى درجة أن الملك سلمان أطال الله عمره عندما كان أميراً للرياض سألني عنها حين قدّمني إليه الدكتور غازي القصيبي أثناء حضوره حفل تخرج الأمير فيصل من أكسفورد.
• هل دوختك «طواحين الكلام»؟•• ليس سهلاً أن تكتب عموداً يومياً في أشهر الصحف العربية لمدة ربع قرن ورغم طول المدة لم تدوخني بل حفّزتني لمشاريع بحث كثيرة، فالعمود القصير الذي تختزل فيه قضايا كبرى في عدة جمل خلفه قراءات، ونصوص، ودراسات لا تسعها المساحات القصيرة المتاحة لكنها تظل في الذاكرة لتعود إليها فحصاً وتمحيصاً ومشاريع كتب.
• ما رأيك بالأدلجة والتسييس في العمل الثقافي؟•• لا مهرب من السياسة، فهي معنا في نهارنا وليلنا وأحلامنا، والسياسة غير الأدلجة والتحزب، فهي تتحكم بحياتنا اليومية، ولم يستطع أن ينجو منها كبار الكتّاب، همنغواي كان قريباً من كاسترو وعاش في هافانا وكتب «الشيخ والبحر» برمزية الصراع، ولوركا كان مع الثورة الإسبانية ودفع حياته خلالها، وجورج أورويل كان سياسياً أكثر منه أديباً في رواية ١٩٨٤، وإميل حبيبي كان حزبياً، وكذلك حنا مينه، ومظفّر النواب، وعبدالرحمن منيف ظل محسوباً على تيارات سياسية في سورية والعراق، فالحياد في الأدب مثل الحياد في الإعلام لا وجود له إلا في أذهان قليلي الخبرة.
• من هم الزملاء الذين استفدت منهم مهنياً؟•• معظم من عملت معهم كانوا نعم العون؛ أحمد الصالحين الهوني في صحيفة «العرب»، وعثمان العمير وعبدالرحمن الراشد بـ«الشرق الأوسط»، أما طارق الحميد فلم أعرفه، ولم يعرفني لأني تركت الصحيفة في الأيام الأولى التي داوم فيها رئيس تحرير، فلم يكن هناك وقت لنتعارف، وسبق وأشرت لياسر الهواري، ويمكن أن أضيف لهذه المجموعة الطيبة سليمان الفرزلي في «الحوادث».
• أي الرفاق أنكر أو تنكّر للملح؟•• إن شئت الصراحة هم كثر، لكني من قوم يذكرون مكارم الكرام، ويعفون عن ذكر سقطات الآخرين، فلا يوجد «كامل الأوصاف» إلا في أغاني عبدالحليم حافظ.
• من «عزف منفرد على الجرح» إلى «في الطريق الى بيت ولّادة» ماذا كان لك؟ وماذا عليك؟•• كان علي أني مقصر مع نفسي، ومع قرائي أحياناً، فهناك درس تعلمته متأخراً من الصديق الراحل غازي القصيبي لكني لم أتقنه جيداً حتى، وهو تنظيم الوقت، ففي حياتي فوضى كثيرة أثرت على إنتاجي، ومشاركاتي.
أما ما الذي لي فيذكره الآخرون، وإن كان لابد من ذكر بعضه فقد كانت الحرية قضية عمري التي آمنت بها وعملت لأجلها، وخلال الثورة أطلق عليَّ السوريون لقب «حارس الأمل» لإصراري على التفاؤل بمستقبل تصنعه إرادة الشعوب.
• إلى ماذا تشير بكتابك «آباء الحداثة العربية»؟•• أصرت جماعة «شعر» البيروتية بأقطابها؛ أدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج، على أن الحداثة العربية وليدة الحداثة الفرنسية وكتاب سوزان برنار «قصيدة النثر»، بمعنى أنها غربية، لكني كنت أرى الحداثة بنت مجتمعها، وفي النص النضر الذي يتجاوز الأجيال، ويعيش عشرات القرون، ووجدتها عند الجاحظ والحلاج والتوحيدي، وغيرهم، ولاقى هذا الكتاب انتشاراً واسعاً لأنه لامس وتراً عند القارئ العربي الذي كان يرى أن منظوري للحداثة أقرب إليه من مدرسة بيروت التي عادت تصحح مقولاتها عن الحداثة العربية بعد ذلك الكتاب الذي تمت طباعته خمس مرات في ثلاث عواصم عربية في عام واحد.
• هل أنت شغوف بتاريخ الأدب حد الاشتغال عليه؟•• أعتقد أن كتابي الجديد «في الطريق إلى بيت ولّادة» هو الذي أثار أمثال هذه الأسئلة لاعتقاد من لم يطلع عليه أنها قصة حب من تاريخ الأدب، والكتاب ليس كذلك فهو دراسة حضارية خارج التصنيف لعصر التنوير الأندلسي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الذي اتكأت عليه أوروبا في عصر تنويرها الأول الذي استفاد من ابن حزم وابن رشد وابن مسرة وابن طفيل ليبني أولى ركائز حضارته معتمداً على ما ترجمه من نفائس مدرسة المترجمين بطليطلة، وبعيداً عن الأدب وتاريخه أنا عاشق للتراث العربي، وأعرف أجمل ما فيه، ولا أريد له أن يضيع عن الأجيال الجديدة لذا أحاول تبسيطه، وتقديمه بحلّة جديدة من خلال حبكات متعددة أقرب إلى الرواية كما فعلت في الكتاب الأخير.
• ما الذي ميز الصحافة الثقافية في الثمانينات من القرن الماضي؟•• كان في تلك الحقبة كتّاب كبار وفنانون كبار يعطون للصحافة الثقافية نكهة مميزة، وكان كثيرون من هؤلاء يعيشون ما بين لندن وباريس، ففي لندن كان بيت الطيب صالح قريباً من منزلي، وكذلك بيت ناجي العلي وأحمد مطر، وعلى مسافة أميال من ويمبلدون حيث نحن كان غازي القصيبي في كنسينغتون، ونزار قباني قرب هارودز، وفي باريس كان محمود درويش وأدونيس وغادة السمان، وغيرهم، ومع غياب هؤلاء عن الصحافة الثقافية لم يظهر جيل جديد بهذا الزخم والشهرة.
• لماذا خفت وهج الثقافة الصلبة؟•• لو سمحت لي أن أستبدل كلمة الثقافة الصلبة بالثقافة الحقيقية العميقة القائمة على معرفة وموهبة، بينما الثقافة الخفيفة تملأ صفحات لكنها لا تسر القلوب، ولا تمكث طويلاً لا في العقل ولا في الذاكرة، ثم هناك الفنون التي ظهرت لتنافسها كالسينما والتلفزيون وقبلهما كان الشعر وحده فن العرب الذي لا فن لهم غيره كما كان يقال، أما الضربة القاصمة للثقافة العميقة، فجاءت من مواقع التواصل.
• بماذا تصف تبادل المواقع بين المراكز والأطراف؟•• هذه النظرة سياسية اقتصادية أكثر منها ثقافية.
سابقاً كانت أوروبا المركز والعالم هوامش، لكن الهوامش كانت تنتج ثقافات أعمق من المركز، وفي العالم العربي كانت المراكز القاهرة دمشق وبغداد، وحالياً الرياض، ويقال في الإعلام دبي والدوحة، نظراً لكل ما خصصته من جوائز ثقافية، وقد كان المغرب في زمن الجابري والعروي مركزاً لكنه لم يُحسب على المراكز.
ما أقصد قوله إن تمركز وسائل الإعلام في منطقة ما لا يجعل منها مركزاً لأن أغلبية الإنتاج والمحتوى الثقافي يأتي من مكان آخر، أما في الاقتصاد والسياسة، فنعم الخليج صار هو مركز القرار السياسي والاقتصادي.
• ما الذي أضافته مواقع التواصل الاجتماعي للمثقف؟•• أضافت له، وأخذت منه، أضافت له الانتشار السهل، وأخذت منه التركيز على عمق البحث المعرفي، فمواقع التواصل لا تتحمل التطويل، وأكاد أقول ولا تتحمل الجدية، لأن جمهورها بسيط، وتلقائي، وانتقائي كي لا أقول «هبّاش ثقافة» تريحه العناوين والكبسولات، ولا ينشط للكتب.
• هل أنت قلق من الذكاء الاصطناعي؟•• ليس كثيراً، فقد وُلد الذكاء الاصطناعي، ومعه عوامل كشف التزييف، وها هي أديبة غربية حائزة على «نوبل» ظهر من يطالب بسحب الجائزة منها بعد عرض إنتاجها على الذكاء الاصطناعي الذي سبقت الآخرين في الاشتغال عليه، لذا لا داعي للقلق لأن الموهبة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلدها.
• كيف هي سورية في هذه الحقبة؟•• زرتها أول مرة بعد 40 عاماً في المنفى فوجدت الناس تطير فرحاً وقد نبتت لها أجنحة، ثم كررت الزيارة فخف الفرح وبدأ القلق لأن الناس توقعت انفراجاً اقتصادياً سريعاً لم يحصل، وفي الزيارة الثالثة التي كنت أبحث خلالها عن مكان للإقامة الدائمة فيها صرت أتبين ملامح الفوضى التي تخلّفها الأزمات الكبرى، وهذا طبيعي بعد الثورات والحروب، أما المقلق فقضية استغلال حرية التعبير دون قوانين تنظمها، لكن هذه ظواهر معروفة، وبعون الله سوف تستقر سورية وتزدهر، ويحقق شعبها ما حلم به من تنمية ومناخ حر كريم.
• ما الذي تتمناه اليوم على مستوى شخصي؟ وعلى المستوى الإنساني؟•• كلنا نتمنى على الصعيد الإنساني أن تهدأ الصراعات والحروب، وتتفرغ الشعوب للاستمتاع بالعصر الرقمي وطرق المعرفة السريعة، وإنجازات الذكاء الاصطناعي، أما على المستوى الشخصي فأتمنى إكمال السيرة الذاتية، ونشر المؤجل من كتبي التي أحبها كـ«الشعر وروح المكان» كتحية وفاء للصديق صالح العزاز وعلّامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، والأهم أن أبني في قريتي مكتبة ومركزاً ثقافياً في كرم الزيتون والتين الذي كنت أخفي فيه كتبي مراهقاً حين كنت ممنوعاً في المنزل من قراءة الخط الغريب ويعني به أبي (رحمه الله) أي كتاب خارج القرآن والحديث والكتاب المدرسي، وحين تفتحت شهيتي للخط الغريب أدباً وتاريخاً كنت أقرأ كل ما يخطر على البال، ثم أحفر في كرم الزيتون وأخفي كتبي الممنوعة إلى أن اكتشفها أبي وهو يفلح الأرض، فخاصمني ردحاً من الدهر، ولما استرضيته حين كبر، وأخبرته أنني سأقيم في المكان الذي عثر فيه على كتبي الممنوعة مكتبة لعامة الناس ومركزاً ثقافياً ضحك، وقال: «الله يسهل»، وقد عاش ذلك الحلم معي طيلة سنوات المنفى، وحان الوقت لتحويل الحلم إلى مبنى يفيد طلاب العلم والثقافة بعد رحيلي، فكل إنسان يأتي إلى هذه الأرض ليترك خلفه بصمة تفيد من يأتي بعده، وبما أن الثقافة في اللغة الإنجليزية مشتقة من الزراعة، وليس من تقويم الرماح كما في العربية نستطيع استعارة حكمة رائجة لنقول بهذا الإنجاز حين يتحقق: «زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك