تستعد القوات المسلحة الألمانية للمشاركة في مهمة دولية لإزالة الألغام وتأمين الملاحة في مضيق هرمز في الخليج، حتى أن وزارتي الدفاع والخارجية الألمانيتين صاغتا تفويضاً للبرلمان الألماني (البوندستاغ)، متوقع أن يقرّه مجلس الوزراء أولاً في الوقت القريب العاجل.
ماذا عن طبيعية هذه المهمة الحساسة وتحدياتها، والدور والقدرات والخبرات التي تتمتع بها وحدات البحرية الألمانية للمساهمة في تنفيذ العملية؟ألمانيا في مهمة مضيق هرمزوأعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، أمس الخميس، من بروكسل قبيل اجتماع لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أن سفناً تابعة للبحرية الألمانية تعبر قناة السويسنحو البحر الأحمر، استعداداً للانتشار المرتقب لتنفيذ المهمة في مضيق هرمز ولكي تكون جاهزة وقادرة على التحرك بسرعة والوجود هناك في أسرع وقت ممكن.
وأوضح أن كاسحة الألغام الأولى وسفينة إمداد ستلتحقان أولاً ببعثة الاتحاد الأوروبي البحرية" يونافور أسبيدس"، ومبرزاً أن الحكومة الألمانية تطالب بتفويض بموجب القانون الدولي، ومؤكداً ضرورة الحصول على تفويض من البوندستاغ أيضاً.
توماس برغمان: بإمكان البحرية الألمانية أن تسهم إسهاماً كبيراً في الحماية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانيةمن جهته، ذكر المستشار فريديريش ميرز في قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية، الأربعاء الماضي، أن المساهمة الألمانية تخضع لسلسلة كاملة من الشروط المسبقة التي لم يتم استيفاؤها بعد.
وهذا ما أوضحه أيضاً وزير الخارجية يوهان فاديفول، الثلاثاء الماضي، في تصريحات لقناة" إيه آر دي" الإخبارية، عندما قال إن ألمانيا مستعدة في المبدأ للمساهمة، لأن المضيق يجب أن يكون آمناً، لكنه ربط ذلك بثلاثة أسئلة مفتوحة بحاجة لقراءة لأن الإجابات لا تزال عالقة، بينها هل انتهت الأعمال العدائية حقاً؟ وهل ترغب جميع الأطراف ومعها سلطنة عمان في إزالة الألغام؟ وهل سيلتزم الأميركيون والإيرانيون خلال الـ60 يوماً بما نص عليه الاتفاق؟في السياق ذاته، حذّر خبير السياسة الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي أديس أحمدوفيتش، رغم ترحيبه بالاتفاق واعتباره خطوة دبلوماسية مهمة، من المبالغة في التوقعات.
وشدّد في حديثٍ مع صحيفة فرانكفورتر روندشاو، أول من أمس الأربعاء، على أن العامل الحاسم ليس الإعلان السياسي، بل مدى موثوقية الاتفاق وقابليته للتحقق وإمكانية تنفيذه بشكل دائم، وإذا ما توفر هذا الشرط يمكن للبوندستاغ أن يصوت على تفويض محتمل للمهمة.
وعن دلالات التصريحات الحذرة للمسؤولين وفي مقدمتهم فاديفول، قال الباحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية توماس ستيلر في حديث مع" العربي الجديد"، إن هذا الكلام مؤداه وجود إصرار ألماني على كشف الوضع الأمني أولاً قبل إرسال سفن إزالة الألغام إلى هرمز والمساهمة في فتحه، وربط المشاركة بالتأكد الفعلي من وقف إطلاق نار موثوق وإنهاء الأعمال العدائية، وأي شيء آخر سيكون بمثابة مهمة انتحارية، لأنه يشكل مخاطرعملياتية للقوات المسلحة الألمانية.
وأضاف ستيلر أنه يستدل أيضاً أن نشر قوات من الجيش ضمن أي عملية عسكرية من دون تفويض من البوندستاغ ليس خياراً مطروحاً في برلين، لأن لدى السلطات اعتبارات للمهام التي ستضطلع بها البحرية الألمانية.
علاوة على ذلك، سيتعين على الجانب الإيراني الإعلان بوضوح عن قبوله مهمة إزالة الألغام، لأن طهران ترفض الوجود العسكري الأجنبي في هرمز سواء لتأمين الملاحة أو لإزالة الألغام، حتى أن دبلوماسيين تحدثوا لوكالات أنباء عالمية، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين، عن تحذيرات واضحة من أن المساهمة في أي عملية عسكرية بهذا الخصوص أمر" غير مقبول".
وأعرب ستيلر عن اعتقاده بأن التفويض من الأمم المتحدة قد يكون مفيداً في ضمان أغلبية في البونستاغ، وعندها سيكون الوضع أفضل، لأن ذلك سيزيد من الشرعية السياسية وفرص نجاح هذه المهمة.
وقد يشكل توسيع مهمة الاتحاد الأوروبي الحالية" يونافور أسبيدس"، التي تحمي حالياً سفن الشحن من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، التي تشارك فيها ألمانيا منذ عام 2024، الأساس القانوني بموجب القانون الدولي.
وعما يميّز البحرية الألمانية بإزالة الألغام، قال الباحث السياسي توماس برغمان لـ" العربي الجديد"، إن ألمانيا رائدة عالمياً في إزالة الألغام.
ووفقاً لوزارة البيئة، يوجد ما يقارب 1.
6 مليون طن من الذخائر القديمة من الحربين العالميتين، الأولى بين عامي 1914 و1918، والثانية بين عامي 1939 و1945، في قاع بحر الشمال وبحر البلطيق.
وأضاف برغمان أنه بإمكان البحرية الألمانية أن تسهم إسهاماً كبيراً في الحماية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية، وذلك بفضل طائراتها التي تنفذ عمليات الاستطلاع البحري دورياً، وكاسحات الألغام وضباطها المدربين تدريباً عالياً وفرقاطة دفاع جوي مثل" هيسن".
وعلى وجه التحديد، أوضح موقع ميركور أونلاين، الأربعاء الماضي، أن المهمة الألمانية ستركز بشكل أساسي على إزالة الألغام، في ظلّ امتلاك البحرية الألمانية ثماني كاسحات ألغام وسفينتين مجهزتين بأنظمة ذاتية التشغيل وعلى متنها غواصون متخصصون في نزع الألغام وقوات أمنية للمساندة.
وستنتشر السفن الأولى بالفعل في شرق البحر الأبيض المتوسط، وستدمج بالقوات البحرية الدائمة لحلف الأطلسي، بما في ذلك كاسحة الألغام" فولدا" التي تضم طاقماً يصل إلى 45 فرداً.
عدا ذلك، يمكن نشر طائرات استطلاع وسفن الإمداد في الخليج العربي، فضلاً عن الاستعانة بطائرات بوسيدون" بي ـ 8 ايه" المضادة للغواصات، والمجهّزة بمجموعة متنوعة من أجهزة الاستشعار التي تستطيع مراقبة مساحات شاسعة من البحر والجو من خلال بيانات الأقمار الاصطناعية.
توماس ستيلر: نشر قوات من الجيش ضمن أي عملية عسكرية من دون تفويض من البوندستاغ ليس خياراً مطروحاً في برلينليس هذا فحسب، فقد ذكرت صحيفة تاغسشبيغل أن كاسحات الألغام من طراز" أم جي 332" تستطيع استخدام طائرات مسيرة تحت الماء لتحديد وتدمير العبوات الناسفة بدقة.
بالاضافة إلى ذلك، يمكن لثلاث من هذه الكاسحات إطلاق طائرات مسيرة سطحية تسمى" سيهوند" (الفقمة)، وتحاكي هذه الطائرات البصمات الصوتية والمغناطيسية للسفن الكبيرة وبالتالي تفجر الألغام.
وتوقع خبراء عسكريون انتشاراً بالغ الخطورة للقوات الألمانية مع وجود ألغام قد تكون مبعثرة في المضيق، وتصنيف إيران للممر الملاحي الدولي منطقة خطرة.
ورأوا أن طهران تمتلك مخزوناً من آلاف الألغام البحرية من أنواع مختلفة، والعامل الحاسم ليس العدد الإجمالي، بل الكمية التي تم زرعها في غضون فترة قصيرة نسبياً، رغم نفي القوات الإيرانية زرع أي ألغام.
كما أن المخاطر لا تكمن في احتمال وجود ألغام فحسب، بل أيضاً في احتمال تجدد القتال والأعمال العدائية، علماً أن البحرية الألمانية اكتسبت أخيراً خبرة في النزاعات الساخنة، وأهمها قبالة السواحل اللبنانية، مع التذكير بتعرض الفرقاطة" هيسن" لإطلاق نار متكرر من قبل الحوثيين.
أهمية نشر القوات على طول الساحلوربطاً بما تقدم، قال الجنرال السابق في حلف" ناتو" هانز لوثر دومروزه لصحيفة تاغسشبيغل إن المهم كيفية نشر القوات على طول الساحل لمواجهة التهديد الذي قد تشكله مواقع الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن، وإذا كان سيقتصر دورها على كشف الألغام أم سيسمح لها بالرد على النيران في حال وقوع هجوم مباشر من القوات الإيرانية، التي قد تجد في كاسحات الألغام الألمانية أهدافاً محتملة لها.
وأفاد محللون بأنه يجب على الوحدات أن تكون قادرة على دعم عملية إنزال على الساحل، لأنه وفي حال تجدد الحرب سيتعين سحب فرق إزالة الألغام لعدم إمكانية توفير الحماية لها حتى من الأميركيين، الذين لا يمتلكون قوات كافية في تلك المناطق، مع التشديد على أهمية مرافقة سفينة مسلحة تسليحاً ثقيلاً في العملية المحتملة، يمكن أن توفرها القوات المسلحة الألمانية أو أحد الحلفاء.
وأيد دومروزه توسيع المهمة الأوروبية الحالية في البحرالأحمر" يونافور أسبيدس" لتشمل هرمز، لأن ذلك سيكون أوضح دليل للأميركيين على قدرة الأوروبيين وإمكانية مساهمتهم.
وذكرت تقارير صحافية، أمس الخميس، أنه رغم الحاجة إلى نيل موافقة البوندستاغ، قد تبحر بقية السفن قبل ذلك، لا سيما أن كاسحات الألغام التي تبلغ سرعتها القصوى 18 عقدة (33.
3 كيلومتراً) لا تقارن بسرعة الفرقاطة التي تصل الى 29 عقدة (53.
7 كيلومتراً).
بالتالي، سيستغرق الوصول إلى منطقة العمليات المحتملة بين سبعة وعشرة أيام.
تجدر الاشارة إلى أن الفرقاطة" نوردراين فستفالن" تنتشر قبالة سواحل لبنان ويمكن سحبها من مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) والوصول إلى هرمز بسرعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك