مع انطلاق كأس العالم 2026 وامتلاء الملاعب والمقاهي بالمشجعين، يتكرر مشهد مألوف في مختلف أنحاء العالم: أشخاص يصرخون فرحاً بعد هدف، وآخرون ينهارون إحباطاً بعد خسارة، وملايين يسهرون حتى ساعات الفجر لمتابعة مباراة لا تربطهم بها سوى متعة المشاهدة.
ورغم أن المشجع لا يركض في الملعب ولا يلمس الكرة، فإن ردود أفعاله الجسدية والعاطفية قد تبدو أحياناً وكأنه أحد اللاعبين.
هذه الظاهرة دفعت علماء النفس والأعصاب خلال السنوات الأخيرة إلى محاولة فهم تأثير مشاهدة المنافسات الرياضية في الإنسان، وما إذا كانت هذه التجربة تتجاوز حدود الترفيه لتؤثر فعلاً في الصحة النفسية والدماغ.
بدأت عالمة النفس هيلين كيز من جامعة أنغليا روسكين الاهتمام بهذا السؤال خلال حضورها إحدى بطولات كأس العالم مع والدها وشقيقها.
وحين سألتهم عمّا يجعل هذه التجربة مميزة، لم يتمكنا من تقديم إجابة واضحة.
ومنذ ذلك الحين، كرّست جزءاً من أبحاثها لفهم ما الذي يجنيه الناس من متابعة الفعاليات الرياضية.
وفي دراسة نشرتها عام 2023، حلّلت كيز وزملاؤها بيانات أكثر من 7200 شخص في إنجلترا، ووجدوا أن الأشخاص الذين حضروا حدثاً رياضياً مباشراً خلال العام السابق كانوا أكثر رضاً عن حياتهم، وأقل شعوراً بالوحدة، وأكثر إحساساً بأن لحياتهم معنى وقيمة.
والمثير للاهتمام أن تأثير حضور المباريات في شعور المشاركين بأن حياتهم جديرة بالعيش كان أقوى من تأثير بعض العوامل الاجتماعية الأخرى مثل إيجاد وظيفة.
ويرى الباحثون أن أحد أهم أسباب هذه النتائج هو شعور الانتماء الذي يولده حضور الفعاليات الرياضية الحية.
فالمشجع لا يتابع فريقه فقط، بل يصبح جزءاً من جماعة تشاركه المشاعر والاهتمامات نفسها.
ويصف علماء النفس هذه الظاهرة بـ" الهوية الاجتماعية"، إذ يجد الإنسان نفسه منتمياً إلى مجموعة أكبر تمنحه شعوراً بالترابط والدعم المتبادل.
ولهذا السبب قد يشعر شخص انتقل للعيش في مدينة أو دولة أخرى بأن تشجيع فريق مدينته الأصلية يبقيه متصلاً بجذوره وذكرياته وهويته.
ويفسر هذا أيضاً عادةً شائعة بين المشجعين تتمثل في استخدام ضمير الجمع عند الحديث عن فرقهم المفضلة.
فكثيراً ما نسمع عبارات مثل" فزنا" أو" سنحقق البطولة"، رغم أن المتحدث لم يشارك في المباراة.
ويرتبط ذلك بما يسميه عالم النفس روبرت تشالديني" التلذذ بالمجد المنعكس" (Basking in Reflected Glory)، حيث يشعر المشجع بالفخر والنجاح عندما يحقق فريقه فوزاً، وكأن جزءاً من هذا الإنجاز يعود إليه شخصياً.
أما عند الخسارة، فيميل بعض المشجعين إلى ما يعرف بـ" التبرؤ من الفشل المنعكس" (Cutting Off Reflected Failure)، فيتحول الحديث من" خسرنا" إلى" لقد لعبوا بشكل سيئ".
تأثيرها على الدماغ والجسملا تقتصر تأثيرات تجربة التشجيع على المشاعر الاجتماعية، بل تمتد إلى عمل الدماغ نفسه.
فبحسب عدد من الدراسات الحديثة، يؤدي تشجيع فريق مفضل أو متابعة مباراة مثيرة إلى تنشيط مناطق المكافأة في الدماغ، وهي المناطق نفسها المرتبطة بالشعور بالمتعة والتحفيز.
فعندما يحقق الفريق فوزاً أو تحدث لحظة درامية غير متوقعة، يفرز الدماغ" الدوبامين"، وهو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالمكافأة والسعادة.
كما تلعب ما تُعرف بـ" الخلايا العصبية المرآتية" دوراً مهماً في هذه التجربة.
وتسمح هذه الخلايا للإنسان بمحاكاة مشاعر الآخرين وفهمها، ما يجعل المشجع يعيش جانباً من مشاعر اللاعبين الذين يشاهدهم.
ولذلك قد يشعر بالتوتر قبل ركلة جزاء حاسمة أو بالقشعريرة عند تسجيل هدف في اللحظات الأخيرة، رغم أنه يجلس بأمان أمام شاشة التلفزيون.
وقد تظهر هذه التفاعلات أيضاً على شكل استجابات جسدية حقيقية.
إذ تشير أبحاث إلى أن مباريات كرة القدم المثيرة قد تؤدي إلى ارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم وزيادة إفراز هرمونات التوتر مثل" الكورتيزول" و" الأدرينالين".
وفي بعض الحالات، قد تصل استجابة الجسم لدى المشجعين إلى مستويات تشبه تلك التي تحدث أثناء ممارسة نشاط بدني مكثف.
كما أبلغ كثير من المشجعين عن أعراض مثل التعرق أو آلام المعدة أو صعوبة النوم بعد المباريات المهمة.
وتعزز دراسة يابانية نُشرت عام 2024 هذه الفرضية.
فقد حلل الباحثون بيانات أكثر من 20 ألف شخص، ووجدوا أن مشاهدة المنافسات الرياضية، سواء في الملاعب أو عبر التلفزيون أو الإنترنت، ترتبط بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة.
وفي مرحلة أخرى من الدراسة، خضع متطوعون لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي أثناء مشاهدة مقاطع رياضية، وأظهرت النتائج نشاطاً واضحاً في دوائر المكافأة الدماغية المرتبطة بالسعادة والشعور بالمتعة.
كما لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين يشاهدون الرياضة بانتظام يمتلكون حجماً أكبر من المادة الرمادية في بعض المناطق المرتبطة بمعالجة المكافآت، ما يشير إلى احتمال حدوث تغيرات تدريجية في الدماغ مع مرور الوقت.
ويعتقد الباحث شينتارو ساتو، الذي قاد الدراسة، أن مشاهدة المنافسات الرياضية بصورة منتظمة قد تسهم في تعزيز الرفاه النفسي على المدى الطويل، خصوصاً عندما تكون الرياضة ذات شعبية واسعة وتوفر شعوراً أقوى بالانتماء الاجتماعي.
ولا تقتصر فوائد التشجيع على التأثيرات المزاجية الآنية، بل تمتد إلى تنظيم الوقت اليومي والموسمي للمشجعين؛ إذ توفر المواسم الكروية المنتظمة والبطولات الكبرى مثل كأس العالم نوعاً من الهيكلة الزمنية والإيقاع لحياة الأفراد.
ويترقب المشجعون الأحداث الرياضية المقبلة بشغف، مما يولد لديهم شعوراً دائماً بالانتظار الإيجابي الذي يخفف من وطأة الرتابة والملل اليومي.
تُعدّ مباريات كرة القدم مسرحاً آمناً للتعبير عن الانفعالات الحادة التي قد يحظرها المجتمع في السياقات اليومية.
وتوفر أجواء المدرجات أو شاشات المشاهدة فرصةً لممارسة" التطهير الانفعالي" (Catharsis)، حيث يفرغ الأفراد شحنات الغضب والتوتر والإحباط المتراكمة نتيجة لضغوط الحياة من خلال الصراخ والتشجيع الإيقاعي البناء.
وتكتسب هذه الآلية أهميةً خاصة لدى فئة الشباب والرجال على وجه الخصوص؛ إذ تتيح لهم متنفساً مقبولاً للتعبير عن المشاعر الحساسة كالدموع والحزن الشديد عند الهزيمة، وهي سلوكيات قد تُفسر في الثقافات التقليدية كعلامة ضعف خارج إطار الملعب.
وتظهر البيانات الإحصائية أن هذه الفئة العمرية، ولا سيما الشباب دون سن 35 عاماً، هي الأكثر عرضة لمخاطر الانتحار والاضطرابات النفسية الصامتة، مما يجعل القدرة على الخروج من الكبت العاطفي وتفريغ الانفعالات داخل بيئة رياضية حاضنة أداةً وقائيةً بالغة الأهمية للحفاظ على تماسكهم النفسي.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من الجوانب السلبية.
فالشغف الرياضي قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى تعصب، خاصة عندما ترتبط الهوية الشخصية بشكل مبالغ فيه بنتائج الفريق.
وتُعدّ ظاهرة" اندماج الهوية" (Identity Fusion) واحدة من أخطر الحالات السيكولوجية التي تصيب المشجعين المتعصبين.
في هذه الحالة، تذوب الحدود الفاصلة بين الهوية الشخصية الذاتية والهوية الجماعية للفريق، بحيث يصبح أي تهديد أو خسارة يتعرض لها الفريق بمثابة تهديد مباشر وشخصي لبقاء المشجع ووجوده.
ويدفع هذا الترابط الوثيق المشجعين إلى سلوكيات عدوانية واشتباكات عنيفة مع روابط المشجعين المنافسة (الألتراس أو المجموعات المتطرفة) كرد فعل دفاعي عن الهوية المهددة.
كما يصنف علماء النفس شريحةً من المشجعين بوصفهم" مشجعين اختلاليين" (Dysfunctional Fans)، الذين يتسمون بضعف التوافق الاجتماعي، ونرجسية مرتفعة، وهشاشة واضحة في تقدير الذات.
ويتفاعل هؤلاء الأفراد مع الهزائم بغضب عارم، وقد يلجؤون إلى توجيه الإهانات اللفظية للحكام واللاعبين وجماهير الخصم.
وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا النمط من التعصب الرياضي يرتبط بزيادة احتمالات السلوك العدواني، وأعمال الشغب والتخريب، كما سُجلت خلال بعض البطولات الكبرى زيادات في بلاغات العنف الأسري المرتبطة بالتوتر والانفعال الرياضيين.
ورغم هذه التحذيرات، تتفق غالبية الأبحاث الحديثة على أن تأثير مشاهدة الأحداث الرياضية في الصحة النفسية يميل إلى أن يكون إيجابياً في المجمل، خصوصاً عندما ترتبط التجربة بالتواصل الاجتماعي والشعور بالانتماء.
فالمشجع لا يراقب مباراة فحسب، بل يعيش تجربة جماعية وعاطفية معقدة تجمع بين الهوية والذكريات والأمل والإثارة.
لهذا، يظل ملايين الأشخاص حول العالم يعودون إلى الشاشات والمدرجات عاماً بعد عام، بحثاً عن تلك اللحظة التي تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من شيء أكبر من أنفسهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك