على الرغم من الافتراض الحالم بإخراج الرياضة من عالم السياسة والصراعات فيها، إلا أن الواقع يصفع الحالمين بقسوة منهياً لحظات الحلم اللذيذة ليعود الواقع فارضاً هيمنته التي لا تخطئها عين يقظة: السياسة، الاقتصاد، التكوين النفسي الجماعي، والرغبة الدفينة/ الظاهرة في الهيمنة، كل الهيمنة، يحكمون عالمنا بكل تفاصيله، من مضائق النفط وشركات السلاح، إلى توفير مياه وهواء نظيفين للإنسان.
والرياضة بطبيعة الحال ليست خارج هذا الصراع.
مونديال قطر.
حين كشّر البيض عن أنيابهممنذ اللحظة الأولى لإعلان الفيفا عن فوز دولة قطر الشقيقة بشرف تنظيم البطولة الأشهر عالمياً، حتى بدا وكأن العالم الغربي وفصائله الرديفة اشترت مجهراً وبدأت مراقبة مثالية تطبيق معايير حقوق الإنسان وحقوق العمال والبيئة وحتى أهمية السماح ببيع الكحول في أحقية قطر باستضافة المونديال.
وتجاوز الأمر حالة البحث المجهري عن الأخطاء، وانعدام الموضوعية المطلق بربط ما سبق بالأحقية، إلى الافتراء وسرد الأكاذيب وحتى اللوم على نسب الوفاة الطبيعية للعمال الأجانب التي تطابق نسب الوفاة الطبيعية في كل مكان وكأن الدولة المضيفة مطالبة بضمان ألّا يموت أحد على أرضها!مع حفل الافتتاح المبهر، والنجاح التنظيمي الذي لم يترك مجالاً للانتقاد، تصاعد الهجوم المسعور، وصرنا نشاهد في استوديوهات التحليل الرياضي البيضاء ضيوفاً من منظمات حقوق الإنسان للحديث عن الحرارة المرتفعة التي ترهق العمال، وحرماناً ممنهجاً لظهور أي صوت يقدم رواية مختلفة عن المونديال، في سقوط إعلامي جعل الإعلام الألماني مثلاً يظهر كإعلام الاتحاد السوفيتي في الستينيات.
بالنسبة لي، يبدو الحديث عن تاريخ الاستضافات الرياضية في العالم، وعن مقدار ازدواجية المعايير الغربية في التعامل معها، ومع غيرها، تكراراً مملاً لبديهيات لا طائل منه، فقد جاب المونديال بلاداً لا تنتهك حقوق الإنسان على أرضها وحسب، بل أقيم في بلاد تخوض حروباً على شعوب آمنة، وتعيش من صناعة السلاح، وينتج اقتصادها غالب مسببات التلوث في الكوكب، ويعيش العمال المهاجرون، غير الشرعيين خاصة، فيها ظروفاً لا تقارب أدنى معايير الإنسانية، ودون أي عائد مادي يذكر.
قد يبدو الجواب السهل بأن الغرب لا يرى عيوبه، جواباً غير بعيد عن المنطقية، وحتى عن الطبيعة البشرية، غير أن هذا التفسير يسقط كهرم ورقيّ حين نستحضر بطولات عالمية استضافتها روسيا (الألعاب الشتوية 2014، كأس العالم 2018) في العقدين الأخيرين، في ذروة انتهاكاتها واعتداءاتها على دول الجوار، وجرائمها المرعبة في سوريا، وكذلك حين نستحضر مونديال الأرجنتين 1978 تحت الحكم العسكري الوحشي حينها، وحتى دورة المتوسط التي استضافها نظام الأسد الأب بعد مجزرة حماة المرعبة، ومقارنة الانتهاكات – وهي موجودة من طبيعة الحياة – بين هذه الدول وقطر، ومقارنة الخطاب الذي ساد في الهجوم على قطر، يجعل الحديث عن الحقوق والتغاضي عن انتهاكاتها التي يرتكبها الأصدقاء والحلفاء: عبثاً لا يقبله عقل.
لعلنا كنا نحتاج لرؤية المنتخب الألماني صاحب الصورة العار في مونديال قطر، يقدم صورة تحتج على التحقيق الأمني مع لاعب المنتخب العراقي أيمن حسين، أو حرمان الحكم الصومالي عمر عبد القادر ألتان من دخول الولايات المتحدة.
هي الحقيقة الفجّة دون مواربة: ليس للعربي المسلم الحقّ في النجاح، ليس له الحق في الندّية أو المنافسة، بل ليس له الحق حتى في تكريم فائز وفق عاداته وتقاليده، حتى إن مشهد أمير قطر وهو يضع عباءة على كتفي ميسي لحظة التتويج، وهي رمز عريق في المنطقة للتكريم والحفاوة، سبب ألماً في معدة إحدى مذيعات ألمانيا، كما قالت علناً وعلى الهواء في تصريح يصلح للمنافسة على المراكز الأولى في التصريحات الأشد وقاحة في التاريخ.
مونديال أميركا.
حتى يرى الأعمىلا بأس بمقارنة سريعة مختصرة بين المونديالين، من حيث حفل الافتتاح، والتنظيم، والترحاب، وراحة الضيوف.
مقارنة تختصر بجملة: أين الثرى من الثريا.
وبالتأكيد لن نخوض في حقوق العمال المهاجرين، والتمييز العنصري، وصناعة وتجارة السلاح، والحروب، فالحديث فيها اجترار للبؤس.
لكن استحضار ما حدث في الهجوم على قطر والمقارنة تنعش الذاكرة، ولعلنا كنا نحتاج لرؤية المنتخب الألماني صاحب الصورة العار في مونديال قطر، يقدم صورة تحتج على التحقيق الأمني مع لاعب المنتخب العراقي أيمن حسين، أو حرمان الحكم الصومالي عمر عبد القادر ألتان، الذي منعته السلطات الأميركية من دخول بلادها، من الوصول إلى أرض الملعب لإدارة المباراة.
كنا ننتظر وزيرة خارجية ألمانيا لتحضر إحدى المباريات وهي تضع شعاراً يدعم حرية الإعلام تضامناً مع مصور المنتخب المصري طلال صلاح الذي منعته الدولة التي" تستحق" استضافة المونديال من الدخول.
الخلاف ليس على انتقاد هنا وصمت هناك، الخلاف في طبيعة الانتقاد ذاته، بين الحديث عن أخطاء، والحديث عن انعدام الأهلية المطلق، عن إطلاق الأحكام لتصنيف الشعوب والدول، ووضعها في جداول بشرية وغير بشرية، تستحق الحياة ولا تستحقها.
عن طريقة الاعتراض والوقاحة في فرض الحقيقة وما يجوز وما لا يجوز، الخلاف على عنجهية لا يمكن التعامل معها بالاحتواء والاستيعاب والبحث عن نقاط للتلاقي.
هناك" آخر" لا يراك جديراً بالحياة إلا لخدمته، فانظر ما أنت فاعل.
ونستذكر في جملة ما نستذكر، حملة موازية لحملة الغرب على قطر، ونجاح مونديالها، كان أبطالها سوريون من كبار المتسكعين في ضياع أوروبا، من ناجحيهم وناجحاتهم الواقفين على أبواب المنظمات الإنسانية والثقافية لالتقاط الفتات الذي يرمى لهم كلما أمعنوا في ازدراء ذاتهم وبلادهم وأهلهم، إلى بائسيهم وبائساتهم، الحالمين بالوقوف على ذات الأبواب لنفس الأسباب.
والذين يمضون وقت الانتظار هذا في عوالم الهلوسات ومسبباتها.
جحافل من العاطلين عن العمل، يتحدثون عن حقوق العمال، أصدقاء شخصيون لموزعيّ المخدرات المسحوقين في حاراتهم، وفي ذات الوقت ممولون رئيسون لكبار الموزعين والمنتجين (عبر الشراء المتواصل) أصحاب مؤسسات الجريمة المنظمة، ويطالبون شركات الهندسة في قطر بتحسين ظروف العمال فيها.
دون لحظة تفكير أو اعتبار من التاريخ أو الحاضر، دون تعلم درس واحد من الواقع، بانين كل وجودهم على وهم أن الرجل والمرأة البيض، سيقبلون بهم أعضاء في نادي التفوق العنصري، إذا زايدوا عليه في العنصرية ضد شعوبهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك