منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وما يعلنه كل طرف على أنه انتصار، يبدو بالفعل أن الانتقادات التى يتلقاها أطراف الاتفاق داخل بلادهم، تشير إلى ما يمكن اعتباره حرب المهزومين، حيث لا يرى أى من الأطراف أن هناك تقدما، وأن هذه الحرب كان يمكن لكل الأطراف تجنبها دون تكبد كل هذه الخسائر، ويرى محللون أن انعكاسات ما بعد الاتفاق هى التى يمكن التعويل عليها، وحساب نتائجها، خاصة مع الحديث عن خروج إيران والولايات المتحدة بالعلاقات إلى العلن وانتهاء الحصار والعزلة اللذين يفرضان على طهران طوال عقود، لتظهر كطرف طبيعى عليه التزامات إقليمية ودولية، لكن أغلب الانتقادات تأتى لغياب الثقة والخوف من الانقلاب بينت الأطراف.
فى إسرائيل تصف المعارضة والعديد من المحللين الاتفاق بأنه «فشل استراتيجى وتاريخى» لسياسة نتنياهو الخارجية والأمنية، ويرى قادة المعارضة، مثل يائير لابيد ونفتالى بينيت، أن نتنياهو وعد لسنوات بالقضاء على التهديد الإيرانى وتغيير النظام، لكن الحرب انتهت ببقاء البنية التحتية النووية الإيرانية وترسانتها الصاروخية كما هى، ما جعل إيران تخرج من هذه المواجهة - حسب وصفهم - «أقوى وليس أضعف».
بينما ينتقد إيهود باراك وقادة آخرون «غرور نتنياهو»، ويرون أنه قاد مع إدارة ترامب إلى التصعيد مع إيران بناء على تقديرات خاطئة، وفى النهاية استبعدت أمريكا إسرائيل تماما من المفاوضات وأبرمت الاتفاق منفردة، كما ترى المعارضة أن الاتفاق يضع إسرائيل فى ورطة أمنية، فبينما تصر إيران وأمريكا على أن يشمل الاتفاق وقف العمليات فى لبنان وانسحاب الجيش الإسرائيلى من الجنوب، يرفض نتنياهو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس ذلك، ما يهدد بصدام مباشر مع الحلفاء فى واشنطن، وانتقد يائير جولان زعيم اليمين الوسط والجنرال السابق الاتفاق لأنه سيؤدى إلى رفع العقوبات تدريجيا وإطلاق الأصول الإيرانية المجمدة، ما يعنى تدفق مليارات الدولارات لخزائن طهران وفصائلها فى المنطقة، وحتى من داخل ائتلافه، واجه نتنياهو انتقادات لاذعة من وزراء مثل إيتمار بن جفير، والذين يرفضون أى تهدئة ويطالبون بالاستمرار فى تفكيك حزب الله وزيادة العمليات العسكرية بغض النظر عن الموقف الأمريكى.
وفى الولايات المتحدة رغم احتفاء إدارة ترامب بالاتفاق كإنجاز يمنع حربا إقليمية شاملة ويعيد حركة الملاحة فى مضيق هرمز، إلا أن الرئيس دونالد ترامب يوجه انتقادات علنية لنتنياهو، مطالبا إياه بأن يكون «أكثر مسؤولية فى ما يتعلق بلبنان»، ويعرب عن استيائه من الضربات الإسرائيلية المستمرة فى بيروت والتى كادت أن تعصف بالمفاوضات، بل وصرح بأن إسرائيل كانت لتتدمر لولا التدخل الأمريكى.
بينما يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية خضعت لشروط إيرانية مجحفة لمجرد الخروج من ورطة الحرب، خاصة أن مسألة تفكيك البرنامج النووى تم تأجيلها لمفاوضات لاحقة، وتم توجيه انتقادات إلى التنازلات الأمريكية بشأن مضيق هرمز ورفع الحصار البحرى وضخ السيولة لإيران دون ضمانات كافية بإنهاء أنشطة وكلاء طهران فى المنطقة بشكل كامل، بجانب إضعاف مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية للحلفاء خاصة إسرائيل ودول الخليج، بعد أن تراجعت واشنطن عن تهديداتها العنيفة السابقة لإيران وأبرمت صفقة سريعة.
وحتى داخل إيران ترتفع انتقادات ومخاوف فى الداخل الإيرانى، وبالرغم من أن الموقف الرسمى والإعلام الحكومى يحاولان تصوير الاتفاق كـ«انتصار دبلوماسى» كسر الحصار الأمريكى، إلا أنتيارا واسعا داخل النخبة العسكرية والسياسية الإيرانية يرى أن الاتفاق مجرد «فخ» أو «استراحة محارب» من طرف ترامب، يستحضرون تجربة عام 2018 عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووى السابق، وينظرون بإنكار وتشكك لأى وعود أمريكية برفع العقوبات، وانتقدت بعض الأصوات التنازلات المفترضة بشأن المضيق، حيث تعتبره طهران تاريخيا أداة ردع سيادية خالصة، والقبول بفتح المضيق «بدون رسوم أو شروط» وتحت رقابة دولية - أو بضغوط أمريكية - يراه المتشددون تراجعا عن أوراق القوة الإيرانية.
وترى بعض الأصوات أن النظام فى إيران غامر بأمن البلاد واقتصادها فى مواجهة عسكرية عنيفة لشهور، ليقبل فى النهاية باتفاق «مؤقت» أو إطار عمل عام دون حل جذرى للأزمات الهيكلية والاقتصادية التى يعانى منها المواطن الإيرانى، وتتوقع بعض التحليلات أن الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة فى الخارج يمكن ان يكون ورقة ضمن أوراق تصفية وكلاء إيران فى المنطقة، بما يؤثر على مستقبل «حزب الله» و«الحوثى» وتوابعهما فى العراق، وإذا كانت طهران ستضغط فى المرحلة الثانية لتأمين انسحاب إسرائيلى من جنوب لبنان، فإن إسرائيل سوف تشترط نزع سلاح وإعادة ترتيب وضع حزب الله فى لبنان لإيجاد توازن، وهو ما يمكن أن يجعل مستقبل حزب الله مختلفا، خاصة أن الحزب لم يعد يحظ بدعم شعبى مثلما كان عام 2000، وهو ما يضاعف المخاوف من ترتيبات تضع كل الأطراف فى اختبارات مختلفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك