مع حلول الذكرى الأربعين لرحيل الموسيقي اللبناني عاصي الرحباني (1923- 1986)، لا يمكن لأي موقف نقدي إلا أن يقر بحضور الرجل بين قطاعات واسعة جداً من الشباب العربي، لأسباب متعددة في مقدمتها صوت فيروز، التي مثلت لعقود أهم منصة لإطلاق الفن الرحباني.
ولا ريب أن مدة 40 عاماً كانت كافية لاجتياز اسم عاصي امتحان الزمن، الذي لم ينج منه إلا عدد محدود من أعلام الغناء والموسيقى، فالزمن مع الفن مثل طاغية لا يرحم، أو قطار لا يتوقف، يجرف معه أسماء اشتهرت، وأصواتاً حققت نجاحات كبيرة، وأغاني كان لها دوي وضجيج، وألحاناً قرّرتها الإذاعات بناء على رغبة المستمعين.
تلك قيمة اجتياز الامتحان الزمني، التي يحصل الناجحون فيه على شهادة عبور من خمسينيات القرن الماضي وستينياته إلى مشهد الفضاء الرقمي المعاصر، فمنصات التواصل الاجتماعي القائمة على التكثيف البصري والسمعي السريع، تقدم اليوم شهادة معاصرة على حضور مشروع عاصي الإبداعي، إذ تحتل أعماله مكاناً ثابتاً في المحتوى اليومي لجيل الشباب، وهي مفارقة تستدعي التوقف بالتحليل لمعرفة كيف صمدت بنية لحنية أُنتجت منتصف القرن الماضي أمام شروط المشاهدة الرقمية السريعة واللحظية.
تميزت جملة عاصي الرحباني اللحنية بالكثافة والسرعة والوضوح، والقدرة على الوصول إلى الذروة التعبيرية خلال وقت قصير جداً، وتلك سمات تتوافق تلقائياً مع متطلبات المنصات الحديثة التي تشترط جذباً انتباهياً لا يتعدى ثواني معدودة.
كما أن جيل الشاب المعاصر الذي يعاني التشتت بفعل التدفق المتلاحق للمعلومات، يجد في القطعة الرحبانية عملاً كاملاً يمنحه دفقة شعورية وموسيقية مكثفة من دون الحاجة إلى الإنصات الطويل.
يمثل البناء السمعي والبصري الذي ابتكره عاصي مساحة موازية للعالم الرقمي الافتراضي الذي يعيش فيه جيل اليوم.
فالأغنية الرحبانية تمنح المستمع المعاصر شعوراً بالأصالة والارتباط بالأرض، حتى لو كان هذا المستمع ينتمي إلى جيل ولد في بيئة رقمية بالكامل، ولم يعرف تفاصيل تلك الحياة الريفية وأجواء الضيعة.
تتجلى قوة ألحان عاصي في مرونتها العالية وقابليتها لإعادة القراءة والتدوير، من دون أن تفقد هويتها الأصلية أو قيمتها الفنية.
تشهد الساحة الموسيقية المستقلة اليوم حركة نشطة من الموزعين الشباب والمنتجين الهواة، الذين يعيدون تقديم هذه الألحان عبر إدماجها بأنماط موسيقية حديثة، مثل Lo-Fi Beats أو الموسيقى الإلكترونية الهادئة والموسيقى البديلة.
يرجع نجاح هذه التجارب بالدرجة الأولى إلى أن اللحن الأصلي الذي وضعه عاصي لم يكن مبنياً على الزخارف الصوتية، وإنما قام على تماسك حركي داخلي (هارموني) يمتلك طاقة تعبيرية مستقلة عن الآلة التي تؤديه أو التوزيع الذي يحيط به.
فعندما تُجرَّد الأغنية الرحبانية من توزيعها الكلاسيكي وتُوضع في سياق إيقاعي عصري، تظل محتفظة بشاعريتها وقدرتها على تحريك المشاعر.
هذا الحوار الإبداعي المستمر بين الماضي والحاضر، يبرهن على أن عاصي صاغ جملاً موسيقية عابرة للأزمنة، قادرة على تجديد دمائها تلقائياً كلما تغيرت الوسائط والأدوات التقنية.
لكن الذكرى الأربعين لرحيل عاصي تجدّد السؤال عن أثر الانفصال الفني والزوجي بينه وبين فيروز أواخر السبعينيات.
يستوجب تحليل هذه المرحلة قراءةً نقدية تتجاوز البعد العاطفي التضامني مع أي من الطرفين، للبحث في جوهر السؤال الإشكالي: كيف أثرت غيبة الحنجرة الأيقونية الملهمة على المسار الإبداعي لعاصي؟ وهل عكست سنواته الأخيرة تراجعاً في قدراته التلحينية، أم أنها كانت محاولة شجاعة لإعادة صياغة مشروعه الفني خارج الشروط الصارمة التي فرضها هو على ثنائيته التاريخية مع فيروز؟ واجه عاصي الرحباني في مرحلة ما بعد الانفصال تحدياً سيكولوجياً جماهيرياً هائلاً، تمثّل في رفض الوجدان العربي الجمعي لفكرة سماع ألحان عاصي بصوت غير صوت فيروز.
كان المستمع قد اعتاد، على مدار ربع قرن، الارتباط الشرطي الكامل بين الرؤية اللحنية لعاصي والأداء الصوتي الاستثنائي لفيروز، ما جعل أي محاولة لتقديم أصوات جديدة تبدو في نظر الجمهور والنقاد دون المستوى، بغض النظر عن جودتها التقنية.
ارتبطت سنوات القطيعة الفنية بتدهور ملحوظ في الحالة الصحية لعاصي الرحباني، جراء التداعيات المستمرة للجلطة الدماغية التي أصابته في 1972.
يمثل البناء السمعي الذي ابتكره عاصي الرحباني مساحة موازية لعالم اليوم الرقميهذا الامتزاج القاسي بين الانكسار الإنساني الناتج عن الانفصال وبين المعاناة الجسدية انعكس مباشرةً على طبيعة تكوينه الموسيقي في سنواته الأخيرة، فتخلت ألحانه عن مساحات البهجة الريفية والاحتفالية الطفولية، متجهة نحو الغموض، والعمق، والتأمل الوجودي الميلانكولي.
باتت الموسيقى عنده أكثر تقشفاً وتمحوراً حول التعبير الدرامي الصرف، فصارت الألحان تعبر عن انكسار الحلم والوطن الذي تزامنت مأساته مع الحرب الأهلية اللبنانية.
كان عاصي يعيد صياغة ألمه عبر نصوص موسيقية مثقلة بالأسئلة، ما أساء بعض النقاد فهمه وقتها، معتبرين هذا التحول دليلاً على تراجع غزارته وإنتاجيته، في حين كان الأمر عبارة عن تحول عميق في الهوية الإبداعية للملحن الذي صدمته تحولات الواقع والجسد، فآثر تقديم موسيقى تحاكي التمزق الداخلي بدلاً من استنساخ أمجاد الماضي.
في مسرحياته المتأخرة، اتجه عاصي نحو جيل جديد من الأصوات الشابة، وأظهرت هذه الأعمال أنه حافظ على تدفقه الإبداعي وقدرته العالية على صياغة الجمل الحوارية الدرامية المركبة والتوزيع المعقد، غير أن الأزمة الحقيقية لم تكن في النص الموسيقي، بل في مقارنة الجمهور الدائمة لأداء الأصوات الجديدة بالإرث الفيروزي المحفور في الذاكرة.
لم ينتهِ عاصي فنياً في هذه المرحلة، لكن غياب الحنجرة التي كانت تمنح ألحانه أبعادها الأسطورية؛ جعل نتاجه المتأخر يبدو غريباً، وكأنه يغرد خارج الفلك الذي صنعه بنفسه.
قادت الظروف التي أحاطت بالقطيعة الجمالية بين عاصي وفيروز إلى تسريع ولادة عهد موسيقي جديد غير متوقع.
لعلّ غياب عاصي التدريجي عن المشهد بفعل المرض والانفصال، أتاح للابن زياد فرصة التقدم لتولي الدفة الموسيقية، وإعادة صياغة صوت فيروز وفق رؤية إبداعية مغايرة تماماً تتماشى مع واقع السبعينيات والثمانينيات.
كان هذا التحول امتداداً طبيعياً مبنياً على الإرث الرحباني التجديدي.
فتح انحسار ظل عاصي الباب أمام زياد ليأخذ صوت فيروز إلى مساحات معاصرة تعتمد على تمازج الجاز والأغنية الواقعية الساخرة، وهو الخط الذي ربما كان ليتأخر في الظهور لو استمرت الهيمنة الفنية المطلقة لعاصي.
وبذلك، شكلت نهاية ثنائية عاصي وفيروز، برغم قسوتها الإنسانية، نقطة انطلاق لولادة مشروعين مستقلين: مشروع عاصي المتأخر الذي حاول البحث عن امتدادات درامية جديدة، ومشروع زياد الذي أخذ الصوت الفيروزي نحو آفاق الحداثة الموسيقية الشاملة.
لكن النظر الإجمالي إلى منجز عاصي، لا بد أن يثبت للرجل أنه كان المهندس الأكبر لأهم مشروع موسيقي وغنائي عربي يقوم على استقلال كبير عن الهيمنة الفنية المصرية.
في منتصف القرن العشرين، بلغ الصعود الفني المصري ذروته، وصارت القاهرة عاصمة القرار الموسيقي في العالم العربي، وفرضت مدارس محمد عبد الوهاب وأم كلثوم ورياض السنباطي، معايير صارمة للجماليات السمعية ارتكزت بالدرجة الأولى على سلطة التطريب، والارتجال، والمطولات الغنائية.
في قلب هذا المناخ الذي كان يبتلع أي تجربة إقليمية لا تدور في فلكه، نجح عاصي الرحباني في تأسيس مشروع موسيقي مستقل ومتكامل، استطاع تحقيق الندية مع الهيمنة المصرية، من دون استنساخ أدواتها أو الخضوع لشروطها الإنتاجية والجماهيرية.
اعتمد عاصي على هندسة صارمة لصوت فيروز، وأداء العازفين، وفرض على الجميع التزاماً شديداً برؤيته الفنية، وتصوره النهائي لشكل اللحن، بل لصورة المطربة أمام جمهورها.
اتسمت هذه الهندسة بتحرر شبه كامل من الزخارف اللحنية، والجمل التطريبية، والتكرارات الرتيبة.
أدرك عاصي الرحباني أن منافسة المدرسة المصرية تتطلب تقديم منتج يمتلك هوية مغايرة تماماً، فاتجه نحو الأغنية الجبلية، وإيقاعات الدبكة، وأهازيج الحصاد، وأعاد صهرها داخل قوالب ذات طابع عالمي.
استخدام آلة البزق بخصوصيتها الريفية الخشنة إلى جانب الوتريات السيمفونية الضخمة خلق نسيجاً سمعياً غير مألوف للأذن العربية التي اعتادت على دفء العود والقانون في التخت الشرقي المصري.
أثبت الرحباني أن الأصالة ليست اجتراراً للقديم، وإنما هي طاقة حية قادرة على تجديد دماء الحاضروكانت هذه الرؤية بكل تفاصيلها سر البقاء والخلود والاستمرار، ومفتاح الوصول إلى الأجيال الجديدة في عصر التسارع الرقمي، والتدفق السمعي والبصري المتلاحق.
فرضت ندية عاصي نفسها على الساحة العربية، وانتزعت اعتراف كبار الملحنين والمفكرين المصريين الذين رأوا في صوت فيروز وألحان عاصي نفاذاً نحو المستقبل، وحظيت التجربة الرحبانية بتقدير مصري كبير، تجسد لاحقاً في الزيارات التاريخية التي أجراها أعضاء الفريق الرحباني إلى مصر، حيث قوبلت عروضهم باحتفاء رسمي ونقدي هائل.
يثبّت مرور أربعين عاماً على غياب عاصي الرحباني حقيقة الخلود الديناميكي لظاهرة فنية استعصت على النسيان.
لقد استطاع الرجل بعبوره المذهل من عصر التخت والأسطوانات إلى فضاء الإنترنت والتدفق الرقمي، أن يثبت أن الأصالة ليست اجتراراً للقديم، وإنما هي طاقة حية قادرة على تجديد دماء الحاضر.
وإذا كان انكسار الثنائية التاريخية مع فيروز قد ترك جرحاً إنسانياً غائراً، وشكل نهاية لتراجيديا حالمة، فإنه فتح الأبواب أمام تطور موسيقي عربي، قاده الابن زياد تارة، ويعيد صياغته شباب اليوم تارات أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك