لم أستقل من التجمع، ولا أنوي الاستقالة.
لكن مارك مجدي، فيلسوف الحزب (سابقًا) الذي كان واعدًا ومبشرًا، استقال! كم مارك مجدي في حزب التجمع الآن؟ وكم" تجمعي" مثلي يمكن أن يتحدث عن زميل له في الحزب ويخلع عليه هكذا صفات (هي مستحقة بالتأكيد).
في ظل الأنانية والأثرة والإحساس الطاغي بالذات؟استقال مارك مجدي، وجرى تحويل عناصر يسارية أخرى إلى التحقيق، بينما يستعد التجمع، بحسب وثائق وصلتني، لخوض انتخابات قاعدية.
ولا أعرف إن كان سيخوض انتخابات رئاسية أم لا؟ التجمع.
الحزب الديمقراطي العتيد، الذي كان مؤسسه يخشى - بكل ما في الكلمة من خشية، ومن معنى، ومن قوة، ومن قدرة - أن يستن سنة لا يستطيع من يأتي بعده أن يتجاهلها أو يرفضها، كما لو أنها ستكون سنة مقدسة.
فكان يترك كل الأمور الخلافية المعقدة للحزب بكامل عناصره ليقول فيها ما يراه ويقرر ما يعتقد أنه الأنسب.
في زمن مؤسس حزب التجمع (الوطني التقدمي الوحدوي) خالد محيي الدين، استقال قوميون وناصريون وماركسيون، ولم يحدث انفراط كلي لعقد الحزب، وإنما اشتد عود الشخصية التجمعية التي حرص خالد محيي الدين على غرسها ورعاية شجرتها من جذورها، وتعهدها بالإنبات حتى تثمر وتؤتي أكلها.
وعندما وقع الخلاف السياسي بين الدكتور ميلاد حنا، العظيم القامة والمكانة، لم يفصله الحزب من عضويته، رغم مخالفته للالتزام الحزبي وقبوله التعيين بمجلس الشعب أيام حسني مبارك! لم يستن محيي الدين هذه السنة!تتلاطم الأمواج في حزب التجمع، وهو على شفير الانتخابات والمؤتمر العام المؤجل منذ سنوات، ولا نسمع صوتًا لحزب كانت المعارضة الصاخبة فيه لا تقتله أو تمزقه أو تكسره، وإنما تبرز قوته وتماسكه وتصب في خانة صلابة عوده وعدم انحناء ظهره.
عشرات المواقف والأحداث التي مر بها التجمع كان يمكنها أن تعصف به قبل اندلاع ثورة ٢٥ يناير، التي لا يحتفي بها الحزب وكأنها عورة، مع أنها ثورة الشعب المصري، وإن ركبها الإخوان المفسدون حتى سرقوها، وكان واجبًا أن يكون التجمع هو أمها وأبيها وأخيها وكل أهلها.
التجمع كان واجبًا أن يكون هو الأب الشرعي لثورة الشعب.
حتى نواصل" الحج" إليه.
لكنها ثورة ضاعت منا، رغم أن كل التجمعيين، من القادة العظام حتى أصغر الكوادر في التجمع، لعبوا أدوارًا بارزة في النضال من أجل الحرية والعدل والمساواة والتقدم.
من أجل لقمة العيش التي يتسول أغلبها الناس هذه الأيام، مع سياسات الحزب الوطني الذي لم يرحل حتى اليوم، وهي سياسات فاجرة تقسم ظهور الناس، وتجعل البحث عن رتق" خوار البطن" همًا يوميًا مريرًا!الرفيق المخضرم والقائد التجمعي سيد عبد العال شخصية لها قدرها ولها تاريخها.
لكن رؤيته للأوضاع الحالية تلقى خلافًا كبيرًا، فعلى حين تبدو كل الظروف الحالية مهيأة لاستعادة قوة اليسار وفاعليته وجماهيريته، فإن الأوضاع الحالية تكشف بجلاء عن عزلة التجمع وابتعاده عن خوض المعارك اليومية مع الجماهير، وكان التجمع مع الناس في كل لحظة: في المواصلات العامة، وتعريفة الركوب، ودعم رغيف الخبز، وسعر كوب اللبن النظيف، ووصول الدعم إلى مستحقيه.
الآن تتجاهل السلطة حزبنا العريق وكأنه لا وجود له، وكانت في السابق تحسب له حسابًا.
توقفت أنشطة الحزب التي كانت تعطيه بعض الرونق وتجعل بعض الأرجل تدب في ساحة مقره في كريم الدولة.
الخلافات مزقت" منتدى خالد محيي الدين"، ولم يكن مجرد ندوة جماهيرية تقام كل أربعاء، تجاوز عددها المائة ندوة، وإنما كان متنفسًا سياسيًا وجماهيريًا يتردد فيه اسم التجمع في وسائل الإعلام كافة، بما يشير إلى أنه ما يزال موجودًا! تلاعبت أيادٍ لا أعرفها حتى توقفت الندوة! ومن قبل أن تتوقف ندوات منتدى خالد محيي الدين، سمح التجمع بإقامة صالون تعقده الكاتبة ضحى مصطفى عاصي في نفس توقيت انعقاد المنتدى، وكأنها ستكون بديلًا له.
ثم ذوت الفكرة وخبا ضوؤها.
وبقي" منتدى المستقبل" نصف شهري، حيث يعقد كل ثلاثاء بفضل ما للدكتور يسري عبد الله من ذيوع وشهرة في أوساط النقد الأدبي والثقافي.
وبقي" منتدى الشعر"، الذي رغم أنه فن العربية الأول، ورغم أهمية مناقشة الإبداع الشعري، إلا أن أغلب ندواته تبحث عن جمهور!حسنًا فعل الحزب بالاحتفاء بالمبدع المناضل سمير عبد الباقي، ولكن مع كل التقدير للمبدعين المشاركين في حفل التأبين، غابت عن المنصة" الشخصية التجمعية" المبدعة التي يمكن أن ننظر إليها فنقول إن هذه ندوة يقيمها حزب التجمع (هذا نقد في صميم العمل الحزبي، ولا علاقة له مطلقًا بأي مبدع من المتحدثين، وكلهم أصدقائي)!نأتي الآن إلى واحدة من مفاخر الحزب والمعروفة بـ" ورشة الزيتون".
وما سأكتبه هنا لا علاقة له بخلاف قديم - على وسائل التواصل الاجتماعي - بيني وبين إدارة الورشة، وإنما هو في صميم عمل الحزب.
فالورشة تنعقد أسبوعيًا كل يوم اثنين، أما بقية الأيام فهي مغلقة بالضبة والمفتاح، فلا أنشطة تقام ولا تعقد أي فعاليات ثقافية أو فكرية من أي نوع! !! هل تكفي ثلاث علامات للتعجب؟ أضف ما شئت.
لكن في الحقيقة فإن مقر الورشة في شارع سليم الأول بحدائق الزيتون، وهو شارع شهير وحيوي كثيف الحركة، ويقع في منطقة تعج بالمواطنين، ويسهل الوصول إليه، إلا أنه لا يستفاد منه مطلقًا، مع أنه يمكن أن يصبح ورشة لتعليم فنون ومهارات الكتابة والقراءة للجميع، ابتداءً من الطلاب إلى من يحاولون وضع أقدامهم على أول خطوات الإبداع.
ومن أصحاب العمل الأول إلى المخضرمين في التأليف والترجمة والنشر.
يمكنها أن تعقد ورشًا ثقافية وفكرية على مدار يوم كامل، كما يحدث في" السيمينارات"، وفي الكليات المهتمة بالأدب وفنونه، ومؤتمرات هيئات الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة وهيئة قصور الثقافة.
مائدة عمل تمتد ليوم واحد تناقش قضية رئيسية.
قضايا الكتابة وتأثرها بالذكاء الاصطناعي.
حركة الشعر وتطورها صعودًا وهبوطًا.
تغير الذائقة عند المبدع وعند الجمهور.
حركة الترجمة العربية، والتي كانت يومًا سببًا رئيسيًا في نهضة الفكر المصري الحديث منذ بدايات القرن العشرين.
هل تذكر أحد أن بيننا مثلًا مترجمة مهمة لها العديد من الكتب والمؤلفات مثل سهير صبري (قوة التفكير، الأبواب المنزلقة، الصورة والأحداث الزائفة، وغيرها من الترجمات)؟ أحمد شافعي، الذي ترجم بسلاسة واقتدار مذكرات الطبيب العالمي مجدي يعقوب، ونقل روائع الأدب الروسي والأمريكي إلينا، وكذلك الأدب الإنجليزي؟ هل الأدب المترجم هذا ليس فنًا يستحق النقاش والإطلالة عليه؟ المترجم محمد الفولي، المتخصص في ترجمة كتاب إسبانيا وأمريكا اللاتينية، وله أكثر من ثلاثين كتابًا.
الدكتور أحمد الزناتي، الشهير بترجماته المتنوعة من الفرنسية والإنجليزية في مجالات الفلسفة والأدب، ومحمد نجيب، الطبيب الذي برز في نقل روائع الأدب الكوري المعاصر.
كلهم لا تعرف الورشة طريقًا إليهم! نظرة الورشة إلى الترجمة نظرة بحاجة إلى مراجعة، وضيوف الورشة، مع احترامي لهم، يمكن أن يتنوعوا ويشكلوا معزوفة أدبية أكثر عمقًا.
الأدب المقاوم للتطرف والإرهاب لا محل له في الورشة، وهي قضية في صميم اهتمامات حزب التجمع.
لم تناقشها الورشة، ولم تعقد حولها ندوات، ولم نعرف آراء المبدعين ووجهات نظرهم في كيفية مواجهة التطرف الديني.
وأكثر من هذا، قضايا يهتم بها اليسار المصري، مثل الثورة والمقاومة، والحقوق والحريات، وأدب السجون، والصحافة اليسارية، والنقد الأدبي، وأعمدته من كتاب ونقاد اليسار المصري.
لا يمكن أن تلحظ الدكتور صلاح السروي في الورشة، لا حاضرًا بكتبه (مدارات عاصفة.
يوتوبيا اليسار.
إلخ) بالحديث عنه، ولا الكاتب والقاص المبدع د.
أحمد الخميسي، ولا شيرين أبو النجا، ولا طلعت الشايب! كل هؤلاء وأكثر منهم لا وجود لهم في الورشة، وكأن الحياة خلت منهم! لماذا يتكلس عمل الورشة ويقل زخمها ويتوقف عطاؤها، فلا تمد الأيدي للشباب، فتخصص يومًا لقراءة أعمال" شباب الأدباء" قبل النشر، وإبداء الرأي في أعمالهم قبل أن يدفعوا بها إلى المطبعة، مستفيدين من خبرات المناقشين؟ لماذا لا يخصص وقت للحديث عن تجارب أدبائنا في المهجر، مثل أشرف الصباغ على سبيل المثال؟ لماذا لا يخصص يوم لمناقشة أدب المترجمين، والكتاب، والمبدعين، والنقاد؟ الورشة التي تعمل تحت مظلة واسم التجمع ليست لها علاقة بالعصر وآدابه وثقافته وتراجمه، بل ليس لها من علاقة بالتجمع أو بقضايا اليسار سوى تلك الصورة لرفعت السعيد المرسومة على أحد جدرانها فقط!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك