لندن- “القدس العربي”: قالت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة والمحاضرة في الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، في مقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، إن العالم قد لا تعجبه خطة غزة التي اقترحها غريمها دونالد ترامب، ولكنها الخيار الوحيد الموجود.
وقالت إن هناك نوعا خاصا من الشلل الدبلوماسي يصيب الحكومات عندما تقرر أن الكمال عدو الممكن، حيث شاهدت ذلك في البلقان وفي أيرلندا الشمالية وفي الشرق الأوسط نفسه.
وأضافت: “أراه الآن مجددا، إذ تتعامل أوروبا والعديد من شركائها التقليديين مع مجلس السلام وخطة إدارة ترامب ذات النقاط العشرين لغزة بتشكك واضح، كحال من يعتقدون أن بإمكانهم الانتظار، لكننا لا نستطيع، فلا أحد منا يستطيع ذلك”.
وأضافت أنه لا يوجد إطار بديل جاهز، ولا يوجد تحالف منافس يعد بمقترح جدي.
وصحيح أن خطة النقاط العشرين لم تكن ما طمح إليه الكثيرون، لكنها تبقى الإطار الوحيد المدعوم بنفوذ كاف ومشاركة سياسية وموارد محتملة لدفع الأطراف نحو التنفيذ، مشيرة إلى أن هذه الخطة تعززت بقرار من مجلس الأمن الدولي، وحظيت بدعم عبر خريطة الطريق التي وضعها نيكولاي ملادينوف، المفوض السامي لغزة ومجلس السلام، والتي تسعى لربط إعادة الإعمار وانتقال الحكم بتفكيك البنية التحتية العسكرية لحماس وتحقيق استقرار طويل الأمد في غزة.
وتعتقد كلينتون أنه بدون خطة كهذه، ستتفاقم الأزمة في غزة، وتحتفظ حماس بنفوذها السياسي والعملي على السكان المنكوبين من خلال فصائل مسلحة، وهياكل إدارية محلية وشبكات توزيع مساعدات وإمكانية الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية.
ولا تزال عملية إعادة الإعمار متوقفة، وهناك غياب للاستثمار، والمدنيون عالقون في شباك التبعية واليأس، مع ورود تقارير عن مقتل ما يصل إلى ألف شخص منذ وقف إطلاق النار.
وهناك جيل آخر من الأطفال ينشأ وسط الركام والخوف واليأس، ولن يكون هناك أمن لإسرائيل بدون أي مسار نحو تقرير المصير الفلسطيني.
وتقول كلينتون إن سكان غزة يدركون هذا الأمر جيدا: فبدون نزع السلاح والانتقال من حكم حماس، لن تكون هناك إعادة إعمار حقيقية، ولا أمل واقعي في انسحاب إسرائيل من مساحة 60% من قطاع غزة التي تسيطر عليها حاليا، ولا سبيل موثوق نحو مستقبل يقوده الفلسطينيون بأنفسهم.
وتضيف أن الاهتمام الدولي انحرف في الأشهر الماضية عن غزة، ولأسباب مفهومة، ولكن التعامل مع غزة على أنها قضية ثانوية يعد خطأ استراتيجيا فادحا، فبقاؤها بدون حل لا يضمن احتواءها، بل يغذي عدم الاستقرار في المنطقة كلها.
وكلما طال أمد الوضع الراهن، ازدادت صعوبة أي حل سياسي مستقبلي، فالشلل الطويل يضعف الأصوات المعتدلة، ويعمق حالة عدم الاستقرار، ويرسخ واقعا يصعب تغييره مع مرور الوقت.
وأضافت كلينتون أن مجلس السلام وخطة العمل يحتويان على عناصر قد لا تعجب الكثير من الحكومات أو تخالفها.
وهناك من يشعر بالقلق إزاء التسلسل السياسي، ويشكك في بنود الحكم والتمثيل الفلسطيني، أو يتردد في وضع ثقته في إطار عمل تقوده الولايات المتحدة في وقت تآكلت فيه الثقة بالقيادة الأمريكية.
ومن المفهوم أن الكثيرين متشككون في نهج يرتبط ارتباطا وثيقا بدونالد ترامب.
وتعلق قائلة: “أتفهم هذا التشكك وأشارك في بعضه، ولكن إذا كان بإمكاني، أنا المعارضة الشرسة للرئيس ترامب، تقبل أن هذا هو الخيار الأمثل في وضع كارثي، ألا يمكن للآخرين أن يفعلوا ذلك أيضا؟ ”.
مضيفة أن هذه اللحظة تتطلب شعورا أكبر بالمسؤولية الجماعية من أوروبا والشركاء الإقليميين والمجتمع الدولي الأوسع، فلن يؤدي الانسحاب إلى بديل أكثر قبولا.
وترى أن خطة العمل المكونة من 20 بندا تقدم شيئا كان الكثيرون يعتقدون، قبل فترة وجيزة، أنه مستحيل.
وهذا في حالة تجردنا من الخطابات الرنانة.
فهي تشمل إطارا دبلوماسيا فعالا مدعوما بنفوذ أمريكي حقيقي ومشاركة مستدامة من الإدارة الأمريكية.
وقالت: “ما سمعته من الفلسطينيين، وبخاصة من يعيشون في غزة أو على صلة بها، هي رغبتهم في الخروج من الأزمة المستمرة، تماما كما يتطلع العديد من الإسرائيليين إلى مزيد من الأمن وتفكيك البنية التحتية العسكرية لحماس.
وينبغي أن تؤخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار عندما يدرس المجتمع الدولي مسألة الانخراط أو الوقوف متفرجا، لأن التحول الحقيقي في غزة ضروري ليس فقط لتحقيق الاستقرار والأمن، بل أيضا لإعادة توحيد الفلسطينيين سياسيا تحت قيادة مصلحة وذات مصداقية”.
مضيفة أن التشرذم بين غزة والضفة الغربية، إلى جانب ضعف السلطة الفلسطينية، جعل بناء أي مستقبل سياسي فلسطيني موحد بعيد المنال.
ومن هنا فالتغيير الحقيقي في غزة ضروري لأي فرصة لحل سياسي أكثر استدامة.
وتقول إن هذه العملية تحتاج إلى ضغط وانخراط ليس فقط من الدول العربية وأوروبا، بل من إسرائيل أيضا.
وتوضح: “لا يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تدعم إلى ما لا نهاية الأهداف العامة للاستقرار والتطبيع مع تأجيل القرارات الصعبة اللازمة لدفع العملية قدما، ومن الأهمية بمكان عدم فهم أن المشاركة الدولية في مجلس السلام والخطة هي وقوف طرف بعينه، بل كوسيلة لخلق ضغط جماعي على جميع الأطراف للمشاركة بجدية وبحسن نية”.
وتقول إن انتظار الفشل بفرح لا يساعد فقط، بل هو فشل استراتيجي.
فمجلس السلام ربما لم يكن أداة فعالة، فيما تثير النقاط العشرين العديد من المخاوف المشروعة، وستستمر الحكومات في الاختلاف مع عناصر مهمة في المجلس والخطة.
لكن الدبلوماسية نادرا ما تتيح الاختيار بين خيارات جيدة وأخرى سيئة، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يدعي الاهتمام بالمدنيين الفلسطينيين بينما يرفض الانخراط في الآلية الوحيدة القادرة حاليا على تغيير الأوضاع على أرض الواقع.
كما لا يمكننا الاستمرار في التظاهر بأن الشلل موقف محايد، فهو ليس كذلك.
فالتأخير له عواقب وخيمة.
ولهذا فالخيار المطروح أمام الحكومات ليس ما إذا كانت هذه العملية مثالية، بل فيما إذا كانت مستعدة للمساهمة في صياغة إطار عمل غير كامل من الداخل، أو الوقوف مكتوفة الأيدي بينما تشكل جهات فاعلة أكثر تدميرا ما سيحدث لاحقا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك