في صالونات البيوت الدافئة، حيث كانت" اللمة" دستوراً غير مكتوب، تدور اليوم دراما إنسانية صامتة أبطالها آباء وأمهات اشتعل الرأس منهم شيباً، ولم يجدوا في قلوب الأبناء متسعاً يتجاوز بضع بوصات شاشة زرقاء.
إنها مفارقة" العزلة وسط الزحام"، حيث يعيش المسن حالة من الاغتراب الوجداني، ليس لأنه وحيد، بل لأن الجميع حوله حاضرون بأجسادهم، غائبون بنقرات أصابعهم في فضاء افتراضي لا يرحم.
تأمل ذلك المشهد المتكرر: يجلس الجد باحثاً عن عين تلتقي بعينه، أو أذن تستمع لقصة من زمن" الأبيض والأسود"، فلا يجد سوى رؤوس منحنية فوق الهواتف الذكية.
الجميع متصلون بالإنترنت، لكنهم" منفصلون" عن الواقع، الأبناء يتبادلون" اللايكات" مع الغرباء، بينما يفتقد الآباء" اللايك" الإنساني الأهم، وهو نظرة رضا أو لفتة حنان تحت سقف البيت الواحد.
لقد تحولت صلة الرحم في العصر الرقمي من" زيارة وود" إلى" رسالة فورورد" على تطبيق الواتساب، كأنها إسقاط واجب لا أكثر.
يواجه كبار السن في مصر هذا الجفاء بأسلحة نفسية منكسرة، بعضهم يحاول محاكاة الصغار، فيمسك بالهاتف متلمساً طريقاً لفك شفرات ذلك" العالم السحري" علّه يجد ثغرة يعبر منها إلى عقول أبنائه، والبعض الآخر يلوذ بالصمت المزمن، معتبراً أن زمنه قد ولى، وأن لغته باتت" خارج نطاق الخدمة".
هذا" التصحّر العاطفي" يخلق فجوة جيلية مرعبة؛ فالتكنولوجيا التي وُعدنا بأنها ستقرب المسافات، هي ذاتها التي صنعت جداراً عازلاً من الأسلاك الوهمية داخل الأسرة.
إن سيكولوجية المسن في المجتمع الحديث هي صرخة مكتومة ضد" السرعة"؛ السرعة التي جعلت الشباب يستسهلون المشاعر ويستعجلون الوقت.
يحتاج آباؤنا اليوم إلى أكثر من مجرد الرعاية المادية، يحتاجون إلى التفاتة حقيقية تعيد لـ" بيت العيلة" هيبته وعفويته.
إنهم لا يريدون هاتفاً أحدث، بل قلباً أهدأ وأعمق، يذكرهم بأنهم لم يصبحوا" تحديثاً قديماً" انتهت صلاحيته في سوق الحياة المتسارع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك