لا يمكن التقليل من حجم تأثير الذكاء الاصطناعي في التعليم، فعدد من المدرسين، سواء في المرحلة الابتدائية أم في الدراسات العليا في الكليات والجامعات المرموقة، غير قادرين على التعامل مع مدى انتشار الغش، إذ يلجأ الطلاب بصورة متزايدة إلى استخدام برامج الذكاء الاصطناعي المتطورة لكتابة أبحاثهم وواجباتهم الدراسية، فيما يسندون مهمة قراءة الكتب أو المواد الدراسية إلى برامج الذكاء الاصطناعي أيضاً.
في غالب الأحيان، تعتمد الجامعات على نزاهة الطلاب فقط لردعهم عن استخدام الذكاء الاصطناعي في أداء واجباتهم، ولنأخذ مثال دليل جامعة أكسفورد الأخلاقي في شأن استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي.
ينص الدليل على أنه" يجب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وأخلاقية، بما يتوافق مع معايير الجدية والنزاهة الأكاديمية المتوقعة منك بصفتك طالباً في أكسفورد.
عليك دائماً استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بنزاهة وأمانة وشفافية، والحفاظ على مقاربة نقدية في توظيف أي مخرجات تنتجها هذه الأدوات".
وقد وضعت المدارس والجامعات توجيهات واضحة في شأن العقوبات المترتبة على الغش في الامتحانات والواجبات الدراسية، كما طورت نماذج متطورة للكشف عن الغش.
ولكن ظهرت مساحة رمادية جديدة تماماً في عالم التعليم، وهي مساحة يصعب إخضاعها للرقابة بصورة أكبر: الاستعانة بالذكاء الاصطناعي من أجل توقع أسئلة الامتحانات.
قبل 18 شهراً، تحدثت إلى طلاب من إحدى أشهر المدارس وأغلاها رسوماً في المملكة المتحدة، وكانوا قد أمضوا العام السابق في تدريب نموذج ذكاء اصطناعي، باستخدام نماذج لغوية ضخمة (LLMs) وتقنيات زودهم بها والد أحد الطلاب، الذي يعمل في أحد المجالات الرائدة في هذا القطاع.
وباستخدام أوراق امتحانات شهادة الثانوية العامة (GCSE) وامتحانات المستوى المتقدم (A-level) على مدى عقدين من الزمن، إضافة إلى بيانات حول محتوى المقررات الدراسية ومحتوى الفصول الدراسية وأنماط ارتفاع وانخفاض نتائج الامتحانات الوطنية، قاموا فعلياً بتدريب النموذج على أنماط امتحانات شهادة الثانوية العامة وامتحانات المستوى المتقدم، ويزعمون أن نموذجهم توقع العام الماضي امتحانات المستوى المتقدم وشهادة الثانوية العامة في جميع المواد بدقة بلغت 85 في المئة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويزعم أعضاء هذه المجموعة هذا العام أنهم رفعوا نسبة الدقة إلى ما يزيد على 90 في المئة، وأنهم يراجعون منذ شهور المواضيع التي يعتقدون أنها سترد في أوراق الامتحانات، التي سيخضعون لها خلال الأسابيع المقبلة في موسم الامتحانات الوطنية.
ويقولون إن استراتيجيتهم المحفوفة بالأخطار قد أثمرت حتى الآن: فقد جاءت امتحانات المستوى المتقدم التي خضعوا لها بالفعل في الرياضيات واللغة الفرنسية الأسبوع الماضي، وفي الكيمياء والبيولوجيا واللغة الفرنسية هذا الأسبوع، متطابقة إلى حد كبير مع أوراق الامتحانات التي اقترحها نموذج الذكاء الاصطناعي.
يقول هنري*، 18 سنة، رداً على سؤال حول الجانب الأخلاقي لهذه الممارسة" يحاول المعلمون منذ عقود توقع ما سيرد في الامتحان، هذه ممارسة مقبولة تماماً، وكثير من المعلمين بارعون فيها.
ما الفرق بين هذا وذاك؟ إنها مجرد نسخة مطورة من تلك الطريقة، وبصراحة، لا أعتقد أن هذا يعد غشاً، فلا يزال عليك أن تتعلم وتفهم المادة، ولا داعي الآن لإضاعة وقتك في مراجعة المواضيع التي لن ترد في الامتحان".
ولا يشعر يتشن*، 18 سنة، هو الآخر بأي ندم، بل يعتقد أن الأمر ينم عن روح ابتكارية وليس عن احتيال" هذا يحدث على الأرجح في كل مدرسة في البلاد، وكلما زاد فهمك للذكاء الاصطناعي، زادت دقة النتائج.
لا أنصح أي شخص بأن يطلب من" تشات جي بي تي" أسئلة الامتحانات بصورة عشوائية، ويعلق كل آماله عليها.
يجب أن تعرف ما الذي تفعله، أنا أعمل على تدريب الذكاء الاصطناعي منذ ظهوره".
يدرك طلاب العالم أجمع أخطار ضبطهم وهم يغشون ويخافون من ذلك كثيراً، لكن هذا لم يحل من دون استخدامهم مجموعة كبيرة من أجهزة الغش الجديدة، بما في ذلك النظارات الذكية وسماعات الأذن، في الامتحانات في جميع أنحاء العالم.
وقد حذر رئيس مكتب تنظيم المؤهلات والاختبارات في إنجلترا السير إيان باوكهام حديثاً من أن الجامعات تعتمد على أنظمة إشراف متطورة لوقف الغش باستخدام التكنولوجيا المتقدمة، لكن بعض القادة الأكاديميين الآخرين يعترفون بأن تطور الأجهزة الجديدة يجعل اكتشافها شبه مستحيل.
وأوضحت إيرين غليندينينغ، المديرة الأكاديمية في جامعة كوفنتري، حديثاً أن اكتشاف حالات الغش حدث بفضل بلاغات طلاب آخرين، وليس بواسطة أنظمة الكشف المتطورة، مما يشير إلى أن حالات الغش التي تكتشف في المدارس والجامعات حول العالم ليست سوى غيض من فيض، مقارنة بعدد الحالات التي ينجح الطلاب في إخفائها.
وبالطبع، لا يستخدم جميع أفراد جيل ألفا وجيل زد الذكاء الاصطناعي، فكثير منهم يكرهونه للغاية، ويعتبرونه شيئاً يسلب البشر إبداعهم وفكرهم وأصالتهم ووظائفهم.
وتعج منصات مثل" ريديت" بطلاب بريطانيين غاضبين يصورون مقررات جامعاتهم بأنها" مثل روبوت ’تشات جي بي تي‘ يتقاضى منك 10 آلاف جنيه استرليني"، ويشكون من أن المعلمين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في إعداد مقرراتهم الدراسية وتصحيح واجباتهم.
ولكن في الوقت نفسه، وبينما يختار كثيرون من جيل الشباب عدم استخدامه، لا سيما في السياقات التعليمية، فإن كثيراً منهم يستخدمونه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتأمين مستقبلهم.
يقول هنري" ليست امتحانات المستوى المتقدم سوى وسيلة لتحقيق غاية، عندما ألتحق بالجامعة التي أريدها [اتفقت معه على عدم الكشف عن الجامعة التي يحلم بالالتحاق بها خوفاً من أن يكتشف أمره]، سأعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي من أجل غرض نبيل.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يساعدني الآن في الوصول إلى هناك، فهذا أمر جيد.
أما من لا يستخدم الذكاء الاصطناعي، فهذا شأنه، فليستمتع بالقرن الـ20.
لقد سلب جيلنا ما يكفي، لذا من الأفضل أن نستفيد منه بشيء ما".
أسأل الفتية عما إذا كانوا قد فكروا يوماً في بيع أوراق الامتحانات لأقرانهم أو عبر الإنترنت، ففي النهاية من الواضح أنهم سيجدون سوقاً كبيرة لها، نظراً إلى أهمية أوراق الامتحانات النظرية والإجابات النموذجية للواجبات الدراسية بين الآباء الراغبين في منح أطفالهم ميزة تنافسية في جميع أنحاء العالم.
يجيبون جميعاً بـ" لا" بصورة قاطعة، ولكن ليس لأسباب أخلاقية.
" مستحيل"، كما يقول يتشن.
" نحن لا نحتاج إلى المال، ودائماً ما يكون الأغبياء هم من يتفاخرون على ’تيك توك‘ أو ’ديسكورد‘ بقدرتهم على كشف أسرار الامتحانات، وفي النهاية ينكشف أمرهم.
هذا الأمر لنا ولنا وحدنا، أتدرين؟ أراهن أنك ستجدين الآلاف، إن لم نقل عشرات الآلاف، من الطلاب في المملكة المتحدة الذين يوشكون على القيام بما قمنا به أو قاموا به بالفعل.
الأمر ليس علماً معقداً إلى هذا الحد، لكل شيء وقته لاحقاً، بعد الجامعة".
وعندما سألتهم عن رأيهم في الأجهزة التقنية المستخدمة في الغش داخل الامتحانات، جاء ردهم حاسماً.
وقالوا" هذه الوسائل، على رغم تطورها، قد تعرض مستخدمها للكشف.
أما ما يحفظ في الذاكرة فلا يمكن لأحد تتبعه أو معاقبة صاحبه عليه.
ويضيفون أن ما يفعلونه لا يختلف عن المراجعة، لكنه يقوم على أسلوب أكثر ذكاء وتنظيماً".
إيما ماكيندريك واحدة من أبرز مديري المدارس وأكثرهم تقديراً في البلاد، بعد أن أدارت مدرسة داون هاوس لأكثر من 20 عاماً، لقد شاهدت الطرق التي غيرت بها الثورة التكنولوجية حياة الشباب والتعليم على حد سواء، ولم يكن ذلك دائماً للأفضل، وهي تعتقد أن استخدام الذكاء الاصطناعي للالتفاف على نظام الامتحانات يضر بالطلاب بصورة خطرة على المدى الطويل.
وتقول" في المستقبل، ستواجهون عدداً من المواقف التي تتطلب منكم اتخاذ قرارات سريعة، ولن يتمكن الذكاء الاصطناعي من تزويدكم بالإجابة، سواء في حياتكم المهنية أم الشخصية.
إن اكتساب المرونة والانضباط وتعلم الأشياء بجهدك الخاص، هو طريق أفضل بكثير لتحقيق النجاح المستقبلي على المدى الطويل".
دارين كوكسون، مؤسس شركة" كومباس إيدوكيشن" (Kompass Education)، التي تقدم الاستشارات للمدارس حول التطبيق الآمن للذكاء الاصطناعي، ينظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأسئلة الامتحانات من منظور أكثر فلسفية واستشرافية، إذ يوضح قائلاً" هذا ليس غشاً، إنه مجرد استخدام لخاصية التنبؤ التي تتمتع بها أدوات الذكاء الاصطناعي، بالطريقة التي تستخدمها جميع القطاعات لتحقيق تفوق أكاديمي.
وما يبرزه هذا الأمر هو الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل لنظام الامتحانات والتقييم بأكمله، ليعكس الطبيعة المتغيرة للعالم وقدرات الشباب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك