على وقع التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، برز إعلان الاحتلال إقامته منطقة أمنية في جنوب لبنان تمتدّ نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مرفقاً بخريطة تظهر نطاق انتشاره، مع تأكيده" مواصلة العمل لإزالة التهديدات وتحسين الدفاع عن سكان الشمال".
وزعم الاحتلال، في منشور له أمس الخميس، أنه بناء على الحاجة العملياتية، ينتشر جيشه في المنطقة الأمنية الواقعة بعمق نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وذلك في وقت أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن" الجيش لن ينسحب من الشريط الأمني في الجنوب، ما دامت الضرورات الأمنية تفرض ذلك".
يأتي ذلك في خضمّ تكثيف لبنان حراكه الرسمي لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وتثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، معوّلاً على الاتفاق الأميركي الإيراني الذي نصّ صراحةً على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كلّ الجبهات، ضمنها اللبنانية، وعلى الجولة الخامسة من محادثات واشنطن التي تنطلق الثلاثاء المقبل، وتستمرّ ثلاثة أيام.
ويثير الإعلان الإسرائيلي علامات استفهام عدّة حول مدة بقاء الاحتلال في الأراضي الجنوبية، خاصة أن استمراره يترك احتمال تجدّد الحرب الواسعة قائماً، لا سيما أن محاولات التوغل تقابَل بعمليات تصدٍّ من جانب حزب الله، منها على مرتفع علي الطاهر وكفرتبنيت في قضاء النبطية، حيث تدور اشتباكات عنيفة، كما يثير علامات استفهام بشأن مدى نجاح طرح المنطقة التجريبية مع رفض إسرائيل أي انسحاب، وأيضاً بشأن مدى السعي الإسرائيلي لاستخدام هذه الورقة على طاولة المفاوضات مع لبنان.
وفي قراءة لهذه التطورات، يقول الباحث في الشؤون العسكرية والسياسية عمر معربوني، لـ" العربي الجديد"، إن" الخريطة تمثل انتقالاً من تكتيك تأمين الحدود المباشرة، إلى استراتيجية فرض الحزام الأمني العازل".
ويشرح معربوني أن" العمق المحدّد، أي 10 كيلومترات، لا يقتصر على قرى الخط الأول الملاصقة للحدود، بل يتمدد ليقضم بلدات خط الدفاع الثاني والعمق التكتيكي للجنوب"، مضيفاً: " جغرافياً، تشمل هذه الخريطة مناطق حيوية وتلالاً استراتيجية مثل تلال علي الطاهر، وأطراف كفرتبنيت المشرفة على النبطية، صعوداً إلى بلدات تحيط بمجرى نهر الليطاني، مروراً بأودية وقرى حاكمة عسكرياً مثل وادي الحجير، وبلدات في القطاع الغربي والشرقي، تمثل عقد مواصلات أساسية ومحاور ربط بين القرى".
وحول الأهمية الاستراتيجية والعسكرية، يرى معربوني أنّ" ميزة الإشراف البصري والناري الدائم تكمن في أن السيطرة أو الوجود الناري في هذا المدى يمنح الاحتلال الحاكمية الجغرافية"، لافتاً إلى أن" التلال الواقعة في هذا العمق تكشف مساحات واسعة من التضاريس اللبنانية، ما يسمح للعدو بقطع خطوط الإمداد واللوجستيات، ورصد أي تحرك بشري أو عسكري بكفاءة عالية جداً، عبر دمج الرصد البصري بالمسيّرات والمدفعية".
ويتوقف معربوني عند" تعطيل السلاح المضاد للدروع وقذائف الهاون"، ويقول: " صُمّم عمق الـ10 كيلومترات بدقة، لتبديد فاعلية السلاح الأخطر على المستوطنات الحدودية، فالصواريخ الموجهة المضادة للدروع مثل الكورنيت والماس، وقذائف الهاون الثقيلة، يتراوح مداها المؤثر والقاتل بين 5 إلى 8 كيلومترات"، لافتاً إلى أن" فرض هذا العمق يعني سلب المقاومة القدرة على استهداف المستوطنات بنيران مباشرة ومنخفضة المسار، مما يمهّد، بحسب زعم الاحتلال، لإعادة مستوطني الشمال".
كما يتوقف عند استراتيجية" الأرض المحروقة"، حيث إنه عسكرياً، يسعى الاحتلال إلى تحويل هذا الحزام إلى منطقة عازلة مجردة تماماً من أي غطاء نباتي، أو مبانٍ سكنية، أو بنية تحتية قتالية، بحيث يصبح أي تحرك داخلها مكشوفاً وساقطاً عسكرياً فوراً.
أما عن الأبعاد العسكرية والسياسية لهذا العمق، فيشرح معربوني أن الحديث عن عمق 10 كيلومترات يمثل عملياً محاولة إسرائيلية لنسخ وتوسيع تجربة" الشريط الحدودي" السابق، ولكن برؤية جديدة، حيث إن هذا الطرح يعني تجاوزاً كاملاً للترتيبات الأمنية المقرّة في القرار الأممي 1701، ومحاولة لفرض" منطقة نفوذ وسيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة" بقوة السلاح فوق الأراضي اللبنانية، لافتاً إلى أن" الاحتلال يريد فرض قواعد اشتباك جديدة تمنحه حق التدخل العسكري والناري المباشر، عبر الطيران أو المدفعية، ضد أي نشاط يراه مهدداً، ملزماً الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (يونيفيل) بالعمل تحت سقف هذه الشروط الإسرائيلية الجديدة".
البر والبحر فكّا كماشة أمنية واحدةكذلك، يرى معربوني أنه لا يمكن فصل الجبهة البرية عن البحرية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية الحالية، والربط بينهما في هذه الخريطة يُعدّ ربطاً وجودياً لحماية الخاصرة الغربية، لافتاً إلى أن" أي منطقة أمنية برية تمتد لـ10 كيلومترات ستظل مكشوفة وغير ذات جدوى، إذا ظلت حدودها البحرية مفتوحة، حيث إن فرض حظر بحري، وتشديد الرقابة على الصيادين، ومراقبة الساحل الممتد من الناقورة وصولاً إلى جنوب صور، تهدف إلى منع عمليات التسلل بواسطة الكوماندوز البحري، أو استخدام النخبة البحرية زوارق سريعة ومسيّرات مائية مفخخة".
تبعاً لذلك، يقول معربوني إن إسرائيل تسعى، من خلال إحكام الطوق البحري الموازي للحزام البري، إلى تأمين منصات استخراج الغاز والمنشآت الاقتصادية الحيوية في حوض المتوسط، مثل حقل كاريش وغيره، لضمان عدم تعرضها لأي استهداف بصواريخ بر-بحر أو مسيّرات انقضاضية قد تنطلق من السواحل اللبنانية الجنوبية.
وبالتالي، البر والبحر يمثلان هنا فكيّ كماشة أمنية واحدة لتأمين العمق" الإسرائيلي".
انطلاقاً من هذا كله، يرى معربوني أنّ" العدو يريد القول إن الانسحاب من هذه الـ10 كيلومترات لن يتم إلا إذا قُدمت له" ترتيبات أمنية بديلة ومكتوبة تحظى برعاية أميركية ودولية مباشرة"، مشيراً إلى أن هذه الترتيبات يجب أن تتضمن صلاحيات واسعة وصارمة لتفتيش ومراقبة المنطقة، تتجاوز بكثير الدور التقليدي والآليات المقيدة التي كانت تعمل بها قوات يونيفيل في السابق".
ويختم معربوني مشيراً إلى أن الخلاصة هي أن" إسرائيل تستخدم هذه الخريطة رهينةً جغرافيةً، لن تفرج عنها إلا بضمانات سياسية وأمنية دولية تضمن مصالحها بالكامل، كما تبعث برسالة واضحة بأنها لن تخلي أي نقطة جغرافية استراتيجية بناءً على وعود شفهية أو ضمانات تجريبية غير مجربة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك