أتصور أن الحاجة إلى الدولة في المجتمعات التي أثقلتها الحروب والنزاعات الطويلة، لا تصبح مجرد مطلب سياسي أو إداري، بل حاجة إنسانية ملحة لاستعادة المعنى المفقود للحياة المشتركة.
لنتذكر معاً أن الدولة، في جوهرها، ليست حدوداً مرسومة على الخرائط ولا شعارات تُرفع هنا أو هناك في لحظات الحماسة والانفعال، بل هي، كما أرى، الإطار الذي يمنح الإنسان شعوراً بـ" الأمان" و" الكرامة" و" الانتماء" إلى مستقبل يمكن الوثوق به.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس فقط انهيار المؤسسات أو تعطل القوانين، بل فقدان القدرة على تخيّل حياة عامة مستقرة تتجاوز الخوف والتنازع.
تبدأ من هنا - تحديداً - أهمية النظر إلى اليمن في هذه المقالة التحليلية لا باعتباره ساحة نزاع معقد ودائم، بل باعتباره مجتمعاً يمتلك، على رغم كل شيء، طاقة كامنة على النهوض وإعادة بناء المجال الوطني المشترك إذا ما توافرت الظروف المناسبة لذلك.
لاحظوا معي من فضلكم أن ما يمنح اليمنيين هذه القدرة هو أن التاريخ، على رغم قسوته، لم ينجح في اقتلاع المعنى الإنساني العميق لفكرة التعايش في ما بينهم، فخلف الضجيج السياسي الحاد، والانقسامات التي تتبدى لنا أحياناً وكأنها لا نهائية، ما زالت هناك شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والثقافية والوجدانية التي تربط اليمنيين بعضهم ببعض تتجاوز بصورة من الصور الاصطفافات الموقتة.
في الواقع إن المجتمعات لا تستمر فقط بقوة السياسة، بل أيضاً بـ" قوة الذاكرة المشتركة" و" العادات المتراكمة" و" الإحساس غير المرئي" بأن المصير العام، مهما تفرّعت الطرق وتشعبت، يظل مترابطاً.
ولذلك أرى أن قراءة اليمن من زاوية الصراع وحدها تُنتج فهماً ناقصاً، لأن ما يبقي المجتمعات حيّة في تقديري ليس حجم خلافاتها، بل قدرتها المتكررة على العودة إلى نقطة إنسانية مشتركة تمنع الانهيار الكامل.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، يمكن فهم أن الأمل الحقيقي لا يولد من إنكار التعقيدات، بل من القدرة على التعامل معها بعقلانية وهدوء.
فالمجتمعات التي تنجو ليست تلك التي تخلو من التناقضات، بل تلك التي تنجح في" إدارة تناقضاتها" من دون أن تتحول إلى كيانات مفككة فاقدة للمعنى العام.
وفي الحالة اليمنية، يتبدى لي أن التحدي الأكبر اليوم هو الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق بناء الممكن.
ذلك أن الاستنزاف الطويل خلق وعياً متعباً يميل أحياناً إلى الاعتقاد بأن الأزمات قدر دائم، بينما تؤكد تجارب الشعوب أن أكثر اللحظات ظلاماً قد تتحول إلى بداية مختلفة حين تتوافر" إرادة عقلانية" تعيد ترتيب الأولويات وفق حاجات الناس ومتطلباتهم لا وفق صراعات الشعارات وضجيجها الصاخب.
ولهذا تبدو لي الحاجة ملحّة إلى استعادة فكرة الإنسان بوصفه مركز السياسة لا ضحيتها الدائمة.
فحين يغيب الإنسان عن الحسابات الكبرى، تتحول القضايا العامة إلى صراع مجرد بين مفاهيم جامدة، وتفقد - إثر ذلك - معناها الأخلاقي العميق.
لاحظوا معي من فضلكم أن المواطن اليمني البسيط الذي يبحث عن" تعليم" جيد، و" خدمة صحية" مستقرة، و" فرصة عمل" تحفظ كرامته، لا يعيش السياسة بوصفها سجالاً نظرياً، بل باعتبارها قدرة يومية على تحسين شروط الحياة.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، فإن أي مشروع وطني لا ينطلق من حماية الإنسان وإعادة الاعتبار لكرامته سيظل مشروعاً ناقصاً مهما بدا صاخباً في خطابه أو واسعاً في شعاراته.
فالدول تقاس، في نهاية المطاف، بمقدار ما تمنحه للناس من" طمأنينة" و" عدالة" و" قدرة" على الحياة الطبيعية.
لا يعود التنوع اليمني، من هذا المنظور، عبئاً ينبغي الخوف منه، بل مصدر ثراء يمكن تحويله إلى قوة إذا أُدير بعقل الدولة لا بعقل الغلبة.
فالتعدد الجغرافي والاجتماعي والثقافي في تصوري ليس خطراً في ذاته، بل يصبح خطراً حين يُستخدم لإنتاج العداوات أو لتغذية المخاوف المتبادلة أو لرفع منسوب العداء المناطقي.
أما حين توجد" مرجعية وطنية عادلة" تتسع للجميع، فإن الاختلاف يتحول إلى طاقة حيوية تُغني المجال العام بدلاً من تمزيقه.
في الواقع إن الدول الراسخة ليست تلك التي ألغت الفوارق داخلها، بل تلك التي نجحت في بناء عقد سياسي وأخلاقي يجعل" الانتماء الوطني" أعلى من الانقسامات الجزئية، من دون أن يفرض على الناس التخلي عن خصوصياتهم أو ذاكرتهم أو تنوعهم الطبيعي وهوياتهم.
ولأن السياسة، في جوهرها، فن بناء التوازنات لا إدارة الأحقاد، فإن اليمن في تقديري يحتاج اليوم إلى خطاب جديد يتجاوز لغة الإقصاء والتخوين والتصنيف الحاد.
ذلك أن المجتمعات التي تبقى أسيرة للثنائيات المغلقة تفقد تدريجاً قدرتها على إنتاج حلول واقعية، (أنظر من فضلك إلى مقال فائت لي في" اندبندنت عربية" )، لأن كل طرف يبدأ بالنظر إلى الآخر بوصفه تهديداً وجودياً لا شريكاً محتملاً في المستقبل.
بينما الحقيقة تقول إن استقرار الأوطان لا يتحقق عبر انتصار فئة على أخرى، بل عبر بناء مساحة عامة يشعر الجميع داخلها بأن لهم مكاناً محفوظاً وحقوقاً مصانة.
فالدولة ليست ساحة لإثبات الغلبة، وإنما إطار لضبط الخلافات ومنعها من التحول إلى صدامات مفتوحة تستنزف الجميع من دون استثناء.
وعليه؛ وفق المشار إليه أعلاه، يمكنني المجادلة بأن قيمة العقلانية السياسية تبدو أكبر من أي وقت مضى.
فالعقلانية السياسية هنا لا تعني البرود أو تجاهل الألم، بل تعني القدرة على رؤية الوقائع كما هي، بعيداً من الانفعالات التي تدفع المجتمعات إلى خيارات كارثية تحت تأثير اللحظة.
واليمن، الذي دفع ثمناً باهظاً نتيجة القراءات المتطرفة للصراع سواء من هذا الطرف أو ذاك، يحتاج - أكثر ما يحتاج - إلى إعادة الاعتبار لفكرة التدرج والحلول الممكنة والعمل التراكمي الطويل، لأن الأوطان لا تُبنى بالقفز فوق التعقيدات، بل بفهمها والتعامل معها بحكمة وصبر.
ومن الخطأ الاعتقاد أن الخلاص الوطني يمكن أن يتحقق دفعةً واحدة، فالتجارب الكبرى في التاريخ تؤكد أن بناء الاستقرار عملية بطيئة وشاقة لكنها بأي حال من الأحوال أراها ممكنة حين تتوافر الإرادة والرؤية الواضحة.
ومن ثم فإن إعادة بناء الثقة بين اليمنيين تصبح شرطاً لازماً لأي أفق مستقبلي مختلف.
فالثقة ليست شعاراً أخلاقياً مجرداً، بل بنية عملية تُبنى عبر" العدالة" و" احترام القانون" و" وجود مؤسسات قادرة" على حماية الجميع من دون تمييز.
وحين يشعر الإنسان أن الدولة تتعامل معه بوصفه مواطناً لا تابعاً، يبدأ مع مرور الوقت باستعادة انتمائه للمجال العام.
أما حين تغيب العدالة، فإن الفراغ يمتلئ سريعاً بالخوف والعصبيات والمناطقية والانقسامات الصغيرة التي تُضعف فكرة الوطن نفسها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في تصوري ليست فقط مع الانهيار المادي، بل أيضاً مع تآكل الثقة الذي يجعل الناس عاجزين عن تصديق إمكانية وجود دولة عادلة تتسع لهم جميعاً.
غير أن ما يدعو إلى التفاؤل، على رغم كل هذا التعقيد، هو أن اليمن لا يزال يمتلك رصيداً بشرياً وثقافياً هائلاً يمكن البناء عليه.
فالمجتمعات لا تنهض فقط بالموارد الاقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج المعنى والأمل والعمل المشترك.
واليمنيون، على رغم سنوات الحرب الطويلة، لا يزالون قادرين على الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي والقدرة على التكيّف ومساندة بعضهم في أصعب الظروف.
وهذه الخصائص في تقديري مؤشر دال على أن المجتمع لم يفقد تماماً مناعته الداخلية.
فحين تبقى الروابط الإنسانية حية، تظل إمكانية التعافي قائمة مهما بدا المشهد السياسي مرتبكاً أو مثقلاً بالأزمات.
ربما تكمن إحدى أهم مشكلات اللحظة اليمنية في سيطرة شعور عام بأن الانسداد دائم ولا يمكن تجاوزه، بينما تُظهر تجارب الشعوب أن أكثر التحولات الكبرى بدأت غالباً في لحظات تبدى فيها التغيير مستحيلاً.
في الواقع إن الأمل هنا لا يقوم على التفاؤل الساذج أو تجاهل حجم التحديات وصعوباتها، بل على فهم واقعي متراكم يقول إن المجتمعات التي تدرك أخطاءها بوضوح تصبح أكثر قدرة على إعادة تصحيح مسارها حين تتوافر الظروف المناسبة والإرادة الوطنية الجادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك