عاش يحيى التركي بين عامي 1902 و1969، ويُعد من أبرز رواد الفن التشكيلي التونسي الحديث، ويُعرف بـ" أب الرسم التونسي" لمساهمته في ترسيخ ملامح هوية بصرية تونسية في الفن.
الحياة اليومية التونسية في قلب أعمال يحيى التركيانشغل التركي بتصوير تفاصيل الحياة اليومية في تونس، فرسم الأزقة والأسواق والمقاهي والبيوت.
كما حضرت الشخصيات الشعبية والنساء بملابسهن التقليدية في كثير من لوحاته، مقدمًا رؤية داخلية للمجتمع التونسي بعيدًا عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة لدى عدد من الفنانين الأوروبيين.
وصقل الفنان مهاراته في باريس، متأثرًا ببعض ملامح المدرسة الانطباعية، مع حرص واضح على إبراز الخصوصية التونسية وبناء لغة تشكيلية محلية مميزة.
ومن أبرز أعماله لوحة" باب سويقة" (1926)، التي وثّق فيها أحد أشهر أحياء تونس القديمة، إلى جانب لوحة" مقهى النطاط" (1949) المستوحاة من المعالم الثقافية والتراثية في سيدي بوسعيد.
" الباب الأزرق".
أيقونة سيدي بوسعيدوتُعد لوحة" الباب الأزرق - سيدي بوسعيد" من أشهر أعماله وأكثرها حضورًا في الذاكرة البصرية التونسية.
وتُظهر اللوحة زقاقًا أبيض يقود إلى باب أزرق عريض، مع شرفة علوية بإطار أزرق ومصاريع خضراء، وقوس جانبي يفتح على نافذتين متقابلتين.
وفي المشهد، تمضي امرأتان ترتديان السفساري بخطى هادئة، بينما يقسم ظل الظهيرة الجدار ويترك بقعة دافئة على الأرض، في مشهد يومي ساكن تتداخل فيه الأزرقات والأبيضات.
تكوين بصري بين البساطة والتوازنيعتمد البناء البصري في اللوحة على عمودية الباب الأزرق بوصفه مركز الثقل، مقابل امتداد الجدار الأبيض الذي يفتح المجال البصري.
وتوجه الدرجات اللونية الهادئة العين نحو عمق الزقاق، بينما يخلق توازن الأزرق مع خضرة النوافذ العلوية انسجاماً بصريًا واضحًا.
كما يمنح حضور الشخصيتين البشريتين بعدًا إنسانيًا يضبط المقياس داخل المشهد، ويحوّل السكون إلى حركة يومية خفيفة.
وتلقى يحيى التركي تعليمه في تونس وباريس، حيث احتك بتيارات الحداثة واطلع على أعمال هنري ماتيس وأوجين ديلاكروا، وكان من أوائل الفنانين التونسيين الذين عرضوا أعمالهم في الصالون التونسي.
وساهم التركي في بلورة ملامح مدرسة تونس الفنية، وسعى إلى صياغة لغة تشكيلية وطنية معاصرة تجمع بين التأثيرات الحداثية الأوروبية والخصوصية الثقافية المحلية، ما عزز مكانته كأحد مؤسسي المدرسة التشكيلية التونسية الحديثة.
وتُحفظ لوحة" الباب الأزرق" في متحف نيو ساوث ويلز للفنون في سيدني، وقد أُدرجت ضمن قاعات فن القرن العشرين عام 2020، لتبقى شاهداً على تجربة فنية مزجت بين الحداثة الأوروبية والروح التونسية المحلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك