قال الدكتور خالد فهمي إن السردية الشائعة عن محمد علي وكيف تشكلت صورته باعتباره" مؤسس مصر الحديثة" ليست وليدة لحظة واحدة، بل نتاج تراكمات تاريخية متعاقبة، موضحًا أنه تناول في ختام كتابه" ولي النعم" الكيفية التي تشكلت بها هذه السردية ومصادرها المختلفة.
جاء ذلك خلال مناقشة كتابه «ولي النعم.
محمد علي باشا وعالمه»، الصادر عن دار الشروق، ضمن فعاليات موسم «كاتب وكتاب» بصالون تفكير.
وأشار إلى أن أحد أهم مصادر هذه الرواية كان محمد علي نفسه، إذ بدأ في أواخر عمره يستقبل زائرين وصحفيين أجانب وينقل لهم قصته الشخصية، وهي قصة تحمل الكثير من عناصر الإلهام والصعود الاستثنائي.
وكان هؤلاء الأجانب يكتبون مذكراتهم وانطباعاتهم عن الرجل، حتى وإن لم يكونوا يدركون تمامًا طبيعة الشخصية التي يتعاملون معها، لتصبح هذه الكتابات أحد الروافد الأساسية في بناء صورته التاريخية.
وأضاف أن المرحلة التالية جاءت مع أبنائه وأحفاده، وعلى رأسهم الخديو إسماعيل، الذي تحدث في افتتاح مجلس النواب عن جده، وقدمه باعتباره مؤسس الدولة الحديثة، مؤكدًا أن البلاد كانت خرابًا قبل قدومه، وأنه هو من أنشأ مؤسساتها وأقام نهضتها.
وأوضح أن محطة مهمة أخرى تمثلت في الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لتولي محمد علي حكم مصر، وهي احتفالات امتدت ثلاث سنوات بسبب اختلاف التقويمين الهجري والميلادي، وشهدت نشر عدد كبير من المقالات والكتابات الصحفية التي تناولت سيرته وتاريخه، ومن هنا بدأت تتبلور بصورة أوضح فكرة محمد علي بوصفه مؤسس الأسرة الحاكمة.
وتابع أن المرحلة اللاحقة ارتبطت بعهد الملك فؤاد، الذي رأى ضرورة تقديم هذه الرواية في إطار مؤسسي، وبعد أن تحولت مصر إلى مملكة مستقلة عام 1922 وصدر دستور 1923، أصبح الملك فؤاد الراعي الرسمي للجمعية الجغرافية، وشجع الباحثين على جمع الوثائق المتعلقة بتاريخ الأسرة العلوية من أوروبا، كما اهتم بالأرشيف الموجود في القلعة، ونقله إلى مكان أكثر تنظيمًا، واستقدم متخصصين لترجمته وفهرسته وتبويبه، بهدف كتابة تاريخ الأسرة الحاكمة بصورة منهجية.
وأشار فهمي إلى أن هذه الجهود تزامنت مع نشأة الجامعة المصرية وظهور جيل من المؤرخين، من بينهم شفيق غربال وتلاميذه الذين طرحوا رؤية مختلفة تقوم على دراسة نشأة مصر الحديثة من خلال تطور مؤسساتها، مثل التعليم والطباعة والزراعة والاقتصاد والجيش، بدلاً من اختزال عملية التحديث في شخصية الحاكم وحده.
وفي المقابل، سعى القصر الملكي إلى تقديم سردية تعتبر أن مؤسس الأسرة الحاكمة هو ذاته مؤسس الدولة الحديثة.
ولفت إلى أن هذا كان المشروع الفكري للملك فؤاد، الذي استعان بعدد من المؤرخين، أبرزهم المؤرخ البريطاني هنري دودويل، صاحب كتاب" محمد علي.
مؤسس مصر الحديثة"، الذي صدر بالإنجليزية في ثلاثينيات القرن الماضي ثم تُرجم إلى العربية عام 1961، وأسهم في ترسيخ لقب" مؤسس مصر الحديثة" بوصفه توصيفًا رسميًا.
وأوضح أن دودويل لم يكن متخصصًا في التاريخ العثماني أو المصري أو الإسلامي أو تاريخ الشرق الأوسط، بل كان متخصصًا في تاريخ الهند البريطانية، كما أنه لم يكن يتقن العربية أو التركية أو الفارسية، لكنه اعتمد على وثائق أرشيف عابدين الذي أنشأه الملك فؤاد، وحصل على تسهيلات كبيرة للوصول إلى الوثائق وترجمتها، معتبرًا أن هذا يوضح كيف تشكلت هذه السردية من خلال جهود مؤسسية إلى جانب المبادرات الفردية.
وأضاف أن المرحلة الأخيرة من تشكل هذه الصورة جاءت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كانت علاقته برمز محمد علي معقدة؛ فمن ناحية كان محمد علي مؤسس الأسرة التي أطاحت بها ثورة يوليو، ومن ناحية أخرى وجد عبد الناصر في تجربته عناصر يمكن استلهامها، مثل مقاومة النفوذ الغربي، والسعي إلى لعب دور إقليمي قيادي، ومحاولة بناء دولة قوية ومركزية.
وبعد أزمة السويس، ازداد هذا التوجه، وأسهم في إنتاج سردية جديدة حول محمد علي.
وأكد فهمي أن صورة محمد علي التي استقرت في الوعي المصري هي حصيلة تداخل روايات متعددة ومراحل تاريخية متعاقبة، شاركت في صنعها الأسرة الحاكمة، والمؤرخون، والمؤسسات الرسمية، والكتابات الأجنبية، وصولًا إلى إعادة إنتاجها في العصر الحديث.
وانتقل فهمي للحديث عن علاقة محمد علي بالدولة العثمانية، موضحًا أنها علاقة معقدة، لأن الرجل كان في النهاية ابنًا للعالم العثماني، يتحدث التركية، ويحيط نفسه برجال جاءوا من أقاليم الدولة العثمانية، كما أن نماذجه في الحكم استلهمت التجربتين المملوكية والعثمانية.
وأوضح أن هدف محمد علي في البداية كان تأمين حكمه في مصر، لكن خوفه من فقدانها دفعه إلى إرسال ابنه إبراهيم باشا لتأمين الحدود الشمالية عبر السيطرة على بلاد الشام.
إلا أن نجاح إبراهيم العسكري تجاوز كل التوقعات، بعدما ألحق هزائم متتالية بالجيوش العثمانية، وعبر جبال طوروس ووصل إلى قلب الأناضول، مقتربًا من إسطنبول.
وقال إن هذه الانتصارات دفعت إلى التفكير في كيفية تحويل المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية، وظهرت فكرة الاستقلال، لكن القوى الأوروبية رفضتها، لأنها كانت ترى أن استقلال مصر مع الشام والسودان والحجاز يعني انهيار الدولة العثمانية وخلق فراغ سياسي خطير في المنطقة، وهو ما لم تكن أوروبا مستعدة لقبوله بعد الحروب النابليونية.
وأضاف أن محمد علي اتجه إلى بديل أكثر واقعية، وهو السعي إلى تثبيت حكم وراثي لأسرته في مصر.
وأشار إلى أن بعض المعاصرين طرحوا فكرة أن يصبح سلطانًا عثمانيًا، لكنه يرى أن هذا الاحتمال كان بعيدًا عن تصور محمد علي نفسه، لأن مؤسسة السلطنة العثمانية كانت مستقرة منذ قرون، وكان تجاوزها يحتاج إلى إمكانات سياسية وبشرية ورمزية لم تكن متاحة له.
أما احتمال توليه منصب الصدر الأعظم أو الوصاية على العرش العثماني، فقد كان أكثر واقعية، خاصة بعد أن انشق قائد الأسطول العثماني أحمد فوزي وسلم الأسطول لمحمد علي، وبعد انتصار إبراهيم باشا في معركة نصيبين ووفاة السلطان، حيث وجدت الدولة العثمانية نفسها في لحظة فراغ سياسي.
ومع ذلك، يرى فهمي أن محمد علي أدرك أن السيطرة على إسطنبول وإدارة الدولة العثمانية بأكملها تتجاوز قدراته وقدرات الدولة المصرية، وأن ضمان حكم وراثي مستقر في مصر كان الخيار الأكثر أمانًا.
واستشهد بنتائج دراسة أكاديمية حديثة حول الإدارة المصرية في بلاد الشام، خلصت إلى أن مصر لم تكن تمتلك الكوادر البشرية أو القدرات الإدارية والمالية اللازمة لإدارة الولايات الشامية بصورة مستقرة، وهو ما يفسر الثورات المتكررة ضد الحكم المصري بين عامي 1831 و1840.
واختتم فهمي بالإشارة إلى أن رؤيته لمحمد علي تختلف عن الصورة التراجيدية الشائعة، إذ يرى أنه لم يمت مهزومًا أو مقهورًا أو فاقدًا للعقل، بل حقق إنجازًا استثنائيًا تمثل في تثبيت الحكم الوراثي لأسرته بفرمان عثماني، ثم واصل نشاطه في السنوات التالية، فأطلق بعثة الأبناء عام 1844، وبدأ مشروع القناطر الخيرية، وأشرف على أول تعداد سكاني حديث لمصر، مؤكدًا أن محمد علي رحل بعد أن حقق ما لم ينجح أي والٍ عثماني قبله في تحقيقه داخل مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك