لو أن الآباء المؤسسين لتقاليد وضوابط ممارسة العمل الصحافي والإعلامي تنبأوا بحالة ترامب، لاحتاجوا إلى جلسات عصف ذهني، لوضع محددات مهنية للتعامل مع الحالة، ومن المؤكد أنهم كانوا سيفشلون بعد النقاش الطويل، وقد ينتهي بهم المطاف في مستشفى المجانين!وقد ألقت الحرب على إيران أوزارها، فإن خطاب الرئيس الأمريكي خلالها يحتاج إلى إعادة قراءة، وقد شغل الإعلام، وكان لا بد أن يشغله، واستحوذ على نشرات الأخبار وعلى الشاشة بالأخبار العاجلة، والرجل منذ أن يستيقظ من نومه حتى يعود إليه، وهو يمسك الميكروفون، متحدثًا أو مغردًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يضرب يمينًا ويسارًا، ويقول الشيء ونقيضه، ويقدم تصورات من رأسه، وحسب حالته المزاجية، وليس على الإعلام إلا أن يهتم، وأن يذيع وينشر، ولعل هذا في حد ذاته يرضي غروره، كطفل أعجبته لعبة فأمسك بها.
وتكمن المشكلة في أن التناقض ليس بين خطاب اليوم وخطاب الأمس، فالخطاب الواحد يأتي محملًا بالمتناقضات، فلديه شهوة في الكلام تتمكن منه، وقد يبدأ وهو يعرف ماذا يقول، ثم يقوده الكلام، فتكون الغاية هي أن يتكلم، بغض النظر عما يقول، فالمهم أن يقول، وأن يشغل الإعلام في طول العالم وعرضه بما يقول، لعل الاستثناء في ذلك هو إعلام الأشقاء في كوريا الشمالية، هل يعيش القوم معنا على هذا الكوكب؟ ! إنهم محظوظون بهذه العزلة الشعورية.
وفي كل مرة يتحدث فيها، يبدو لي أنه يفعل ذلك والشاشات أمامه، وعندما يجد اسمه متمددًا عليها بالبنط العريض، وفي كل لغات الدنيا، فإنه يستمر، فيضرب هنا وهناك، غير معني بما يقول، فالمهم أن يستحوذ على أكبر قدر ممكن من الوقت ليحتل خلاله القنوات التلفزيونية، ثم يكون موضوعًا للمحللين، فيرهق أعصابهم في محاولة البناء على ما لا يجوز عقلًا البناء عليه، فماذا لو كانت كل جملة تناقض أختها، وكل فقرة تنسف ما قبلها، فمن الجاني هنا، هو أم وسائل الإعلام؟ !لقد عاش أحمد سعيد مذيع «صوت العرب» ومات، والجماهير تحمله هزيمة يونيو/حزيران 1967، والرجل لم يكن قائد عمليات الحرب، لكنه في حديثه عن الانتصارات والزحف المقدس تجاه تل أبيب، كان مجرد قارئ لبيانات القيادة العسكرية، وقد أخذه الحماس، ومن الطبيعي أن يأخذه في معركة تحمل الإعلام وزر الأكاذيب في بياناتها الأولى أكثر من القيادة السياسية، ولا يزالون إلى الآن ينشرون عناوين الصحف في اليوم التالي، وكأن الإعلام هو سبب الهزيمة، وكأنه من باعهم في محمد محمود!الآن يقف أمامنا من يدير الأمور بنفسه، والإعلام ليس أكثر من ناقل، فهل يجوز له التجاهل، والمتحدث هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على سن ورمح؟ ! إنه لا يحل للإعلام أن يتجاهل مثل هذه التصريحات وإن أربكت غرف الأخبار وصالات التحرير، فربما لو كان رئيس دولة نائية في عالمنا الثالث، لكان من المنطقي تجاهله، بل والاستخفاف به، وعدم التعامل معه بجدية، كما كان الإعلام يتجاهل تصريحات الأخ العقيد معمر القذافي، قائد الثورة الليبية، والذي رد له ترامب الاعتبار، فصرنا نجد في بعض كلامه منطقًا لم نره وقت أن قاله، فقد جاء مبكرًا، ولو عاصر هذه المرحلة، ربما كان من المنطق التعامل الجاد مع «الكتاب الأخضر».
ترامب يكذب، وحقق انتصارات بلسانه، والإعلام نشر، وليس من المنطق أن يتجاهله، وهو هنا بنشره ساهم في بث الأكاذيب، وضلل المشاهدين والقراء، فماذا لو خضعت وسائل الإعلام للتحقيق في نشر أخبار كاذبة، أو الاهتمام بالتضليل؟ ! وماذا أمام الإعلام أن يفعل إذا كان «أبو لمعة» يرأس أكبر بلد في العالم أجمع، وليس شخصًا هائمًا على وجهه في الشوارع والأزقة ويحمل في جيبه شهادة معاملة أطفال؟ !وبعد أن رحل الآباء المؤسسون للإعلام، فماذا إذا اجتمع التابعون لهم بإحسان، وقرروا وضع ضوابط للتعامل مع الحالة الراهنة، وقد انتقل برنامج «ساعة لقلبك» من استوديوهات الإذاعة المصرية إلى البيت الأبيض، وورث ترامب دور «أبو لمعة»؟ !إنه وضع يستعصي على التقنين.
نقابة الإعلاميين.
تبشر بالانتخاباتأخيرًا، وبعد سنوات من العيش في «الحرام القانوني»، يعلن نقيب الإعلاميين طارق سعدة – وفق نظرية الموظف الفعلي – أنه تقرر إجراء الانتخابات في النقابة، لاختيار نقيب ومجلس بدلًا من الوضع الحالي!فالحاصل الآن أن من يديرون النقابة، نقيبًا ومجلسًا، معينون في مواقعهم بقرار حكومي، وإذ نص قانون تأسيس النقابة على أنه وضع مؤقت لن يزيد على ستة شهور، فقد ظل الوضع لسنوات، مما يصيب كل قرارات النقابة بالعوار، وقد انتقل خلال هذه الفترة من مذيع مغمور في قناة النيل للرياضة، إلى واحد من وجهاء المرحلة، إلى درجة تعيينه بقرار رئاسي في البرلمان لأكثر من دورة، وهو الشرف الذي حرم منه نقيب الصحافيين، رغم أنه جاء إلى موقعه بالانتخابات وبإرادة الجمعية العمومية للنقابة!لم يحدد النقيب – وفق نظرية الموظف الفعلي في القانون – موعد الانتخابات وإجراءات فتح باب الترشيح، لكنه اكتفى بمجرد الإفصاح عن هذا الاتجاه، ربما لأول مرة، وتوجه بالشكر لرئيس الحكومة على دعمه للنقابة، دون أن يحدد هذا الدعم، والصحيح أن الخدمات الجليلة لرئيس الحكومة هي في هذه الهلمة التي هو فيها، وفي الإبقاء على الوضع الحالي بدون ضرورة منطقية، مع مخالفته للقانون!لقد تبسمت ضاحكًا عندما قرأت لمن تهاجم نقيب الصحافيين خالد البلشي، بالقول إن الصحافيين يحتاجون إلى نقيب، وذلك مسايرة للحملة الأمنية عليه بسبب إصرار النقابة على تكريم مجلس النقابة في سنة 1995، لأنه تصدى لقانون تكميم الصحافة، ومن بين أعضاء المجلس صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام فيما بعد في عهد الرئيس محمد مرسي!دخلت صفحة الموصوفة، فوجدتها تحدد وظيفتها بأنها «كبيرة مذيعات في التلفزيون المصري»، والكبيرة هذه درجة وظيفية يصل لها الموظف قبل إحالته إلى التقاعد، ومع ذلك فهي ليست معروفة لنا، وهي لم تنتبه إلى أن نقيب الصحافيين منتخب لدورتين، في حين أن نقيبهم معين بقرار من رئيس الحكومة، وكأنه رئيس مجلس مدينة ميت غمر، وهو تصرف لم تعرفه مصر حتى في بداية التعرف على العمل النقابي.
دعك من الكبيرة، فليست هناك ضمانات لعدم استمرار «الحرام القانوني»، وأن ينسحب الوضع القائم إلى مجلس منتخب بالمخالفة للقانون، الذي يحظر على النقيب المعين ومجلسه خوضها.
• يوم السبت الماضي، نوهت لعدم صحة ما نشر على نطاق واسع عن استبعاد شبكة «الجزيرة» الإعلامية للمذيع أحمد طه، وهو ما انتقل من منصات التواصل إلى صحيفة لبنانية، لم يكلف محرر الخبر خاطره أن يستوفي أركانه.
وذهب البعض بعيدًا إلى حد الادعاء أن ضغوطًا إسرائيلية نجحت في الإطاحة به!في يوم نشر هذه الزاوية، أذاع أحمد طه صورًا من داخل الأستوديو عن الإعداد لبرنامجه الجديد على قناة «الجزيرة 2»، الأمر الذي يثبت كذب الادعاءات التي قيلت، ومن عجب أن هناك من واصلوا نشر الاستبعاد بعد ذلك، بشكل يكشف أنه الغرض، الذي هو مرض!وإذا كان هذا جائزًا بالنسبة لغير الصحافيين، فلماذا لم تعتذر الصحيفة؟ !• قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، بإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور مذيع قناة الشمس محمد الغيطي لمدة شهر، لخوضه في عرض الفنان الراحل عبد العزيز مخيون، هو قرار قانوني، حيث أجاز القانون للمجلس اتخاذ القرار المناسب لبعض المخالفات المهنية، ومنها جريمة الخوض في الأعراض، وهو قرار لا يمنع من تم الخوض في عرضه أو ورثته من اللجوء إلى القضاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك