دقّت القارة السمراء ناقوس الخطر الأكبر عقب إعلان وكالة “المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها”، التابعة للاتحاد الإفريقي، في بيان رسمي عاجل يوم الجمعة، عن تجاوز حصيلة الوفيات الناجمة عن التفشي المرعب لفيروس “إيبولا” حاجز الـ 200 ضحية في مناطق شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وسط مخاوف حقيقية من خروج الوضع الوبائي عن السيطرة وانزلاق المنطقة نحو كارثة صحية غير مسبوقة.
وأوضحت الوكالة الإفريقية أن عدد الإصابات المؤكدة والموثقة مختبريًا منذ الإعلان الرسمي عن تفشي الوباء في الخامس عشر من مايو الماضي قد قفز بشكل متسارع ومرعب ليصل إلى 875 حالة إصابة، فارق منها الحياة 202 شخص، لتسجل هذه الموجة الوبائية نسبة وفيات بالغة الخطورة بلغت 23 بالمئة من إجمالي المصابين، وهي مؤشرات تفوق الخطوط الحمراء للأنظمة الصحية الإفريقية.
ولم تعد الجغرافيا قادرة على حبس الفيروس الفتاك، حيث يتمدد الوباء حاليًا بضراوة في ولايات إيتوري، وشمال كيفو، وجنوب كيفو في الجزء الشرقي من البلاد، مع تركيز بؤرة الجحيم الوبائي في إقليم إيتوري الذي استأثر وحده بنحو 95 بالمئة من الحالات، في وقت عبرت فيه جرثومة الموت الحدود الدولية لتسجل دولة أوغندا المجاورة 19 إصابة مؤكدة، لقي على إثرها شخصان حتفهما، ما يهدد بتحول الأزمة المحلية إلى جائحة إقليمية عابرة للحدود.
وفجّر المدير العام للوكالة، جان كاسيا، تحذيرًا مدويًا في نص البيان، مؤكدًا أن هذا التفشي الحالي يسير في منحنى تصاعدي قد يتفاقم بشكل خطير ومرعب في حال لم يتم لجمهوره ومحاصرته سريعًا، مرجحًا احتمالية أن يتجاوز في حصيلته التدميرية السيناريو الكابوسي الذي عاشته دول غرب إفريقيا بين عامي 2014 و2016، والذي تسبب حينها في إبادة وأودى بحياة أكثر من 11 ألف إنسان.
وجاء هذا الاستنفار بعد أسابيع قليلة من إعلان منظمة الصحة العالمية أن ما يحدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية “مقلق للغاية للضرورة القصوى”، تلاه خطوة تاريخية بإعلان “حالة طوارئ صحية عامة ذات بعد دولي”، لإجبار المنظومة الدولية على التدخل ومواجهة المجهول.
وتكمن الصدمة الكبرى والجانب الأكثر رعبًا في هذا التفشي، بحسب ما كشفت عنه السلطات الصحية، في أن الموجة الحالية ناجمة بالكامل عن فيروس “بونديبوغيو” (Bundibugyo)، وهو أحد أكثر سلالات إيبولا ندرة وفتكًا، والصدمة العلمية تكمن في أنه “لا يوجد له حتى الآن أي علاج طبي نوعي أو لقاح معتمد علميًا” على مستوى العالم، مما يترك الطواقم الطبية في مواجهة عارية أمام الفيروس.
ويعيد هذا التفشي لعام 2026 إلى الأذهان التاريخ الأسود لمرض “إيبولا” الذي يتسبب في حمى نزفية حادة تهاجم أعضاء الجسم وتدمر الأوعية الدموية؛ حيث ظهر هذا العدو الميكروسكوبي لأول مرة عالميًا في عام 1976 متزامنًا في مدينة نزارا بالسودان ومدينة يامبوكو بالكونغو الديمقراطية، وحمل اسمه الشهير نسبة إلى “نهر إيبولا” القريب من القرية الكونغولية التي شهدت الولادة الأولى للمرض.
وتخشى الأوساط الطبية اليوم من تكرار المأساة التاريخية لغرب إفريقيا (ديسمبر 2013 – 2017) حينما تفشى الفيروس في غينيا وليبيريا وسيراليون ليصيب نحو 30 ألف شخص ويقضي على حياة أكثر من 11 ألفًا منهم، مما يجعل المواجهة الحالية في شرق الكونغو معركة مصيرية لحماية الأمن الصحي للقارة الإفريقية بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك