منذ عقود، يطرح السودانيون السؤال نفسه بصيغ مختلفة: لماذا ظل السودان، رغم موقعه الجغرافي الاستراتيجي وموارده الطبيعية الهائلة وتاريخه السياسي المعقد، حاضراً في خرائط الأزمات أكثر من حضوره في خرائط التأثير الإقليمي والدولي؟ ولماذا تبدو أخبار السودان، في كثير من الأحيان، مرتبطة بالحروب والانقسامات والاضطرابات، وحتى حربه الأخيرة سميت بالمنسية لعدم اهتمام الإعلام الخارجي الكافي بها، بينما تغيب كذلك قصص التنمية والتحول الاقتصادي والاستقرار السياسي؟تتعدد الإجابات وتتشابك، بين من يرد الأمر إلى التدخلات الخارجية المستمرة، ومن يربطه بأزمة الهوية السودانية الممتدة بين الانتماء العربي والعمق الأفريقي، ومن يرى أن النخب السياسية نفسها فشلت في بناء مشروع وطني جامع قادر على تجاوز الانقسامات التاريخية.
غير أن الثابت في كل هذه القراءات أن السودان ظل يدور، منذ الاستقلال، داخل حلقة مفرغة من الصراعات المسلحة والأزمات السياسية التي استنزفت الدولة وأعاقت بناء مؤسساتها.
عرف السودان الحروب منذ سنواته الأولى بعد الاستقلال، وكثيراً ما تشابهت أسبابها وإن اختلفت مسارحها.
فالحرب الأهلية في الجنوب، ثم النزاعات المسلحة في دارفور، وحركات التمرد المختلفة التي رفعت شعارات التهميش وعدم عدالة توزيع السلطة والثروة، جميعها كشفت عن أزمة بنيوية في العلاقة بين المركز والأطراف.
وفي كل مرة كانت الدولة تجد نفسها أمام نزاع جديد قبل أن تتمكن من معالجة آثار النزاع السابق، ما جعل التنمية والإصلاح مشروعَين مؤجّلَين باستمرار.
لكن الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تمثل، في جوانب عديدة، تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع السوداني.
فبعكس الحروب السابقة التي كانت تدور في أقاليم محددة، اتسع نطاق هذه الحرب ليشمل أجزاء واسعة من البلاد، ووصلت تداعياتها إلى قلب العاصمة الخرطوم ومختلف مراكز الثقل السكاني والاقتصادي.
صحيح أن الخرطوم شهدت سابقاً أحداثاً عسكرية مهمة، مثل محاولة الجبهة الوطنية إسقاط نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1976، أو عملية" الذراع الطويلة" التي قادتها حركة العدل والمساواة بقيادة الراحل خليل إبراهيم عام 2008، إلّا أن تلك المواجهات ظلت محدودة زمنياً، وعادت بعدها مؤسسات الدولة للعمل خلال فترة قصيرة.
أما الحرب الحالية فتختلف من حيث حجم القوة العسكرية المشاركة فيها، وامتدادها الجغرافي، وتشابك أبعادها السياسية والإقليمية، فضلاً عن أن قوات الدعم السريع كانت قد تمكنت خلال سنوات ما قبل الحرب من بناء نفوذ واسع داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
انتقلت الدولة السودانية من أزمة حكم إلى أزمة دولة، إذ تراجعت قدرة المؤسسات على احتكار القوة وإدارة التوازنات الوطنية نتيجة غياب مركزية القرار وتعدد مراكز النفوذفي الواقع، لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير.
فقد دخل السودان منذ ذلك الوقت في حالة من الهشاشة الأمنية والسياسية والاقتصادية غير المسبوقة، نتيجة غياب مركزية القرار، وتعدد مراكز النفوذ، وصعود الحركات المسلحة والقوى السياسية المتنافسة على السلطة في مرحلة انتقالية لم تستقر قواعدها.
وبدا واضحاً أن الدولة السودانية انتقلت من أزمة حكم إلى أزمة دولة، إذ تراجعت قدرة المؤسسات على احتكار القوة وإدارة التوازنات الوطنية.
هنا يبرز السؤال الذي يتردد كثيراً في الأوساط السودانية: هل يحتاج السودان إلى نموذج قيادي حاسم قادر على إعادة بناء الدولة وفرض هيبتها؟ وهل يمكن أن يكون نموذج رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، أحد الأمثلة التي تستحق التأمل؟منذ وصوله إلى السلطة في سبتمبر/ أيلول 2022، استطاع تراوري أن يقدم نفسه بوصفه قائداً شاباً يتبنى خطاباً سيادياً يركز على الاستقلال الوطني وتقليص النفوذ الخارجي.
وقد ارتبط اسمه بمحاولة إعادة صياغة علاقة بوركينا فاسو بالقوى الدولية، ولا سيّما فرنسا، عبر إنهاء عدد من الترتيبات العسكرية القديمة والبحث عن شراكات جديدة تقوم، بحسب خطابه السياسي، على أولوية المصلحة الوطنية.
كما ركز تراوري على الملف الأمني بوصفه التحدي الأول أمام الدولة، فعمل على توسيع برامج التجنيد الشعبي وتعبئة متطوعي الدفاع عن الوطن لمواجهة الجماعات المسلحة، بالتوازي مع إطلاق سياسات اقتصادية واجتماعية هدفت إلى إظهار قدر من التقشف الرسمي والتقرب من الشرائح الفقيرة والشبابية.
ولا يقتصر الاهتمام بتجربة تراوري على الإجراءات التي اتخذها، بل يتجاوزها إلى طبيعة الخطاب الذي يقدمه.
فالرجل يحرص على مخاطبة الرأي العام بلغة قومية جامعة تتجاوز الانقسامات الحزبية والعرقية، ويقدم نفسه باعتباره ممثلاً لمشروع وطني يسعى إلى استعادة السيادة وإعادة بناء الدولة.
غير أن استحضار التجربة البوركينية في الحالة السودانية يطرح إشكالية أعمق من مجرد البحث عن" رجل قوي".
فالأزمة السودانية لا تبدو مرتبطة بغياب القيادة الحاسمة فحسب، وإنما أيضاً بضعف المؤسسات، وتآكل الثقة بين المكونات السياسية والاجتماعية، واستمرار الانقسامات القبلية والجهوية، وتراكم الأزمات الاقتصادية، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية المتعددة.
ومن هنا، فإنّ السؤال الحقيقي ربما لا يكون: هل يوجد إبراهيم تراوري بيننا؟ بل هل يمتلك السودان مشروعاً وطنياً جامعاً قادراً على تجاوز منطق المحاصصات والولاءات الضيقة؟ وهل تستطيع النخب السياسية والعسكرية إنتاج رؤية تتقدم فيها الدولة على الأحزاب، والوطن على القبيلة، والمصلحة العامة على المصالح الفئوية؟لقد كشفت الحرب الحالية عن حجم التصدعات التي أصابت المجتمع السوداني، إذ تصاعد الخطاب القبلي والجهوي بصورة غير مسبوقة، فيما بدت الأحزاب السياسية عاجزة عن تقديم مشروع وطني متماسك يحظى بإجماع واسع، كما أن تعدد المبادرات والتدخلات الخارجية، سواء تحت مسميات رباعية أو خماسية أو غيرها، عكس حجم الفراغ السياسي الداخلي أكثر مما عكس قوة التأثير الخارجي وحده.
إن استعادة الدولة السودانية لعافيتها لا تبدو مرهونة بشخصية استثنائية فحسب، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وتوحيد الجبهة الداخلية، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وتمكين الشباب، وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة بين مختلف الأقاليم.
فالدول لا تنهض بالقيادات وحدها، مهما كانت كاريزمية أو حاسمة، وإنما تنهض حين تتحول القيادة إلى مشروع وطني قادر على الصمود بعد رحيل الأفراد.
لذلك؛ قد يكون الدرس الأهم من تجربة إبراهيم تراوري، بالنسبة إلى السودان، ليس البحث عن نسخة جديدة منه، بل البحث عن كيفية بناء دولة تمتلك إرادة مستقلة ومؤسسات فاعلة ورؤية وطنية جامعة.
عندها فقط يمكن للسودان أن يغادر دائرة الحروب المتكرّرة إلى أفق الدولة المستقرة التي طال انتظارها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك