بدت شيكاغو مرشحة طبيعية لاستضافة مباريات كأس العالم 2026.
فهي من أكبر المدن الأميركية، وتملك مطاراً دولياً وشبكة واسعة من الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، فضلاً عن خبرة طويلة في تنظيم الأحداث الكبرى.
كما سبق لملعب سولجر فيلد أن احتضن حفل افتتاح مونديال 1994 وخمس مباريات آنذاك.
لكن المدينة اختارت هذه المرة البقاء خارج البطولة.
ففي 14 مارس/آذار 2018، أعلنت إدارة رئيس البلدية آنذاك، رام إيمانويل، سحب شيكاغو من ملف الاستضافة، قبل ثلاثة أشهر من تصويت الفيفا الذي منح الولايات المتحدة وكندا والمكسيك حق تنظيم المونديال في 13 يونيو/حزيران من العام نفسه.
وذكرت صحيفة" شيكاغو صن تايمز" في يوم إعلان الانسحاب أن مكتب إيمانويل أبلغ اللجنة المنظمة بأن المدينة لن تستضيف أي مباراة حتى لو فاز الملف المشترك.
وقال المكتب في بيانه إن" الفيفا لم تقدم الحد الأدنى من اليقين بشأن مسائل رئيسية مجهولة تعرض المدينة ودافعي الضرائب للخطر، وإن تشددها وعدم استعدادها للتفاوض أثبتا أن مواصلة الترشح لا تخدم مصلحة شيكاغو".
ولم يكن تحفظ المدينة مرتبطاً بقدرتها على التنظيم أو بجاهزية منشآتها، وإنما بحجم الالتزامات المالية التي قد تترتب عليها.
فقد طلبت توضيح سقف النفقات المحتملة، والجهة التي ستتحمل أي زيادة في تكاليف الأمن والنقل والخدمات الطبية، ومدى إمكانية مطالبة فيفا بتجهيزات إضافية بعد توقيع الاتفاق.
وفي مقابلة بثتها محطة" إن بي سي شيكاغو" في 10 يونيو/حزيران، عاد إيمانويل إلى تفاصيل المفاوضات، وقال إن" الفيفا كانت تريد الاحتفاظ بإيرادات التذاكر والبث ومبيعات الأطعمة والخدمات ومواقف السيارات، في حين تتحمل المدينة نفقات النقل العام والشرطة والإطفاء والخدمات الطبية وتأمين تنقل الفرق وكبار المسؤولين".
وبحسب رواية إيمانويل في المقابلة نفسها، تضمن الاتفاق أيضاً احتمالاً يتيح مطالبة شيكاغو بإضافة سقف إلى ملعب سولجر فيلد، وهو مشروع كان يمكن أن يكلف مئات الملايين من الدولارات.
لذلك اعتبر أن قبول الشروط كان سيجعل دافعي الضرائب يتحملون المخاطر، بينما تحصل الفيفا على الجانب الأكبر من العائدات.
وقال إيمانويل إن" الفيفا افترضت أن شيكاغو ستتحمل المخاطر وتحصل هي على المكاسب"، مؤكداً أنه لم يكن مستعداً لجعل أموال سكان المدينة الطرف الأضعف في الصفقة.
ويتضح من خلال كلام إيمانويل أن شيكاغو كانت مطالبة بدفع تكاليف مؤكدة، مقابل انتظار مكاسب غير مباشرة تعتمد على أعداد الزوار وإقامتهم وإنفاقهم في الفنادق والمطاعم والمتاجر.
فإذا جاءت الحركة السياحية أقل من التوقعات، تظل مصروفات الشرطة والنقل والإسعاف قائمة، بينما لا توجد آلية تضمن تعويض المدينة من إيرادات التذاكر أو البث أو الرعاية.
تفاد للمخاطر واستفادة بديلةولم تكن شيكاغو وحدها التي توصلت إلى هذه النتيجة، ففي 15 مارس/آذار 2018، ذكرت تقارير صحافية أن مدينتَي مينيابوليس وأريزونا خرجت من الملف بسبب ما وصفته السلطات المحلية بالمطالب المالية المرهقة للفيفا.
وفي اليوم نفسه، قالت لجنة ملف مينيابوليس في بيان رسمي إن" عدم قدرتها على التفاوض بشأن شروط الاتفاقات، بما يوفر حماية كافية من الالتزامات المستقبلية، دفعها إلى وقف ترشحها".
لكن قرار شيكاغو ظل الأكثر لفتاً للانتباه بسبب حجم المدينة وتاريخها في كأس العالم 1994.
ورغم أن الانسحاب حرمها من استضافة حدث عالمي كان يمكن أن ينشط السياحة ويروج للمدينة، فإنه جنبها في المقابل التزامات مالية وقانونية لم تكن حدودها واضحة عند توقيع الاتفاق.
وأفادت" أكسيوس" في 2 يونيو/حزيران، بأن موقف إيمانويل بدا أكثر وجاهة، في ظل إنفاق المدن والولايات المستضيفة عشرات الملايين من الدولارات على الأمن والنقل والخدمات المرتبطة بالبطولة، واعتبرت أن انسحاب شيكاغو لم يعد يبدو فرصة ضائعة، بل تفادياً لرهان مالي غير محسوب.
ومع ذلك، لم تدِر شيكاغو ظهرها للمونديال تماماً، بل اختارت الاستفادة منه من دون توقيع عقد الاستضافة.
ففي 21 مايو/أيار الماضي، أطلقت هيئة السياحة في المدينة حملة لتقديم شيكاغو بوصفها وجهة موازية للبطولة، وروجت لفعاليات ومناطق تعرض جميع المباريات بين 11 يونيو/حزيران و19 يوليو/تموز 2026.
وبهذه الطريقة تستطيع المطاعم والمقاهي وبعض الفنادق والأنشطة الترفيهية جذب الجمهور المحلي والزوار، من دون أن تتحمل المدينة تكلفة تجهيز ملعب للمباريات أو تأمين بعثات المنتخبات أو تنفيذ متطلبات الفيفا.
لكن هذا لا يعني ذلك أن شيكاغو ستحقق عائدات تضاهي المدن المستضيفة، لكنّه يقلص تعرضها للخسارة ويجعل مشاركتها في النشاط التجاري أقل مخاطرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك