ماذا لو استيقظت يوماً لتجد أن وظيفتك لم تعد موجودة، لا بسبب أزمة اقتصادية أو إغلاق شركة، بل لأن خوارزمية أصبحت قادرة على أداء عملك بكفاءة أكبر وتكلفة أقل؟
هذا السؤال، الذي كان حتى وقت قريب مادة للأفلام والتكهنات المستقبلية، أصبح اليوم على طاولة نقاش رؤساء البنوك الكبرى وقادة شركات التكنولوجيا حول العالم.
تتصاعد المخاوف عالمياً من اختفاء ملايين الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في القطاعات المكتبية والذهنية التي طالما اعتبرت آمنة من موجات الأتمتة السابقة.
لكن المفاجأة، بحسب ما ترصده وكالة بلومبرغ، أن مركز النقاش لم يعد محصوراً في سؤال كم وظيفة ستختفي؟ ، بل انتقل إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف سيحصل الناس على دخل إذا لم تعد هناك وظائف كافية للجميع؟
من الدخل الأساسي إلى توزيع الأرباحفي خضم هذا النقاش، تتعدد المقترحات المطروحة على الساحة الاقتصادية والتقنية.
أحد أبرزها فكرة الدخل الأساسي المضمون، وهو نظام يحصل بموجبه كل مواطن على راتب شهري ثابت من الدولة، بصرف النظر عن وضعه الوظيفي.
مقترح آخر يدور حول توزيع أرباح شركات الذكاء الاصطناعي على المواطنين، انطلاقاً من فكرة أن الجميع ساهم، عبر بياناته الشخصية، في تدريب هذه النماذج التي باتت تولد قيمة اقتصادية هائلة.
أما الطرح الأكثر إثارة للجدل فجاء من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة" OpenAI"، الذي طرح رؤية مختلفة جذرياً عن فكرة الدخل النقدي التقليدي.
فبدلاً من توزيع الأموال على الناس، يقترح ألتمان أن يمتلك كل فرد حصة من القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي نفسه، بحيث يستفيد منها مباشرة أو يبيعها للآخرين، في تصور يحول قوة المعالجة إلى أصل اقتصادي جديد، أشبه بالعملة أو الأسهم.
هذا الطرح ينسجم مع رؤية أوسع يتبناها ألتمان، تقوم على تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد منتج برمجي إلى مرفق أساسي يسعَر ويستهلك كالكهرباء والماء، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول من يملك هذه البنية التحتية للذكاء ومن يستفيد منها فعلياً.
الرسالة الأعمق في هذا الجدل المتصاعد هي أن العالم، ولأول مرة منذ الثورة الصناعية، لا يناقش كيفية خلق وظائف جديدة بعد كل موجة تقنية كبرى كما حدث سابقاً مع الميكنة والحوسبة والإنترنت، بل ينتقل مباشرة إلى نقاش أكثر جذرية: كيف سيدفع للناس أصلاً، إذا لم تعد هناك حاجة كافية لعملهم؟
في المقابل، لم تسلم هذه المقترحات من انتقادات واسعة.
فمشروع تجريبي مشابه يمنح المواطنين حصة من عوائد الذكاء الاصطناعي أثار جدلاً سياسياً حاداً في الولايات المتحدة إذ وصفته نائبة ديمقراطية بأنه مقزز، فيما عبر نشطاء محليون عن خيبة أملهم من تبني مسؤولين سياسيين لهذه الأفكار.
ويرى منتقدون أن مقترحات مثل حصة الحوسبة أو حتى صندوق الثروة العامة قد تتحول إلى أدوات لتلميع صورة شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من كونها حلولاً جذرية لأزمة فقدان الوظائف، خصوصاً أن قيمة هذه الحصص تبقى مرتبطة بشكل مباشر بأداء الشركات نفسها وقراراتها، لا بضمانات حكومية ثابتة كما هو الحال في برامج الدخل الأساسي التقليدية.
كما يحذر اقتصاديون من أن تحويل النقاش من حق العمل إلى حق امتلاك حصة في آلة تحل محل العامل قد يكرس فجوة جديدة بين من يملك القدرة على فهم هذه الأصول وتوظيفها، ومن يكتفي ببيعها فور حصوله عليها، وهو ما قد يعيد إنتاج التفاوت الاقتصادي بدلاً من معالجته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك