أن تجلس مع كبار العالم، فهذا الجلوس يعني الكثير سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.
فالدعوة للجلوس مع العظماء السبعة، أو مجلس إدارة العالم المعروف باسم مجموعة الدول الصناعية الكبرى، لها شروط ومقاييس خاصة جدًا، وليست مجرد تقدير واحترام للدولة المدعوة ورئيسها، وإنما اعتراف بالدور والثقل السياسي والجغرافي والتاريخي والاستراتيجي.
من هنا جاءت دعوة مصر والرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحضور والمشاركة في فعاليات وجلسات ولقاءات مجموعة الدول الصناعية السبع في منتجع إيفيان الفرنسي، والتحدث أمامها، وليست دعوة «ضيف شرف».
وماذا يعني هذا الحضور وتلك الدعوة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرئيس السيسي؟لا بد أن نعرف أولًا أن المجموعة هي التكتل السياسي والاقتصادي الضخم الذي يضم أكبر سبع اقتصادات متقدمة في العالم، وهي: الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكندا، بالإضافة إلى تمثيل سياسي من الاتحاد الأوروبي.
وتأسست عام 1976 بمبادرة من الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان لتنسيق السياسات الاقتصادية ومعالجة الأزمات العالمية، ومنذ ذلك الوقت عقدت المجموعة 51 قمة.
وكانت روسيا عضوًا في المجموعة منذ عام 1997، وتم تعليق عضويتها عام 2014 عقب ضمها شبه جزيرة القرم.
وغالبًا ما توجه المجموعة دعوات لدول نامية أو صاعدة للمشاركة في قممها كضيوف أو دول شريكة لمناقشة قضايا إقليمية محددة.
وحتى ندرك أهمية المجموعة، نذكر بعض الأرقام عنها:حجم اقتصادات الدول السبع يقدر بحوالي 51 تريليون دولار.
تتجاوز حصة دول المجموعة 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
تمثل أكثر من 30% من حجم الاقتصاد العالمي.
يمثل عدد سكان دول المجموعة ما يزيد على 10% من سكان العالم.
العلاقة ليست اقتصادية فقط، وإنما سياسية وتكنولوجية، وتشمل تبادلًا تقنيًا ونقلًا للتكنولوجيا، وتطورًا لتحالفات عسكرية وصناعات عسكرية ومصالح مشتركة.
وتتناول اجتماعات القمة عددًا من الموضوعات، من بينها تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، وبحث سبل تسوية الأزمات الجيوسياسية الدولية ومواجهة انعكاساتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن تسريع الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة، وكذلك أوجه التعاون الدولي في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وشاركت مصر في قمة السبع الكبار للمرة الثانية عقب المرة الأولى عام 2019، تقديرًا وتأكيدا لدورها المحوري في دفع جهود التنمية والاستقرار في الشرق الأوسط.
فالقمة هذه المرة عُقدت في ظروف استثنائية، في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة ومعقدة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا.
فالحرب الأمريكية الإيرانية والتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب والبدء في المفاوضات كانت، ولا تزال، لها تداعيات اقتصادية غاية في الصعوبة إقليميًا وعالميًا، وتأثرت اقتصادات الدول الكبرى بسبب الأوضاع غير المستقرة في منطقة الخليج ومضيق هرمز، الذي يمر من خلاله حوالي 20% من مصادر الطاقة إلى دول العالم.
الأمر الآخر أن العلاقات الأمريكية الأوروبية قبل القمة لم تكن في حالة جيدة، وأصابها التوتر والخلافات عقب قرارات ترامب بفرض ضرائب جمركية على الواردات الأوروبية، وتلويحه بتقليص أعداد القوات الأمريكية في أوروبا وحلف الناتو، وأخيرًا جاءت أزمة المشاركة الأوروبية في الحرب على إيران، وهو ما رفضته أوروبا.
إن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران أنقذ القمة بعد أن اقتنع الطرفان بالحلول الدبلوماسية وبالمفاوضات، وهو ما دعت إليه أوروبا وأطراف الوساطة، ومنها مصر.
فجاء الحضور لافتًا ومميزًا، وخاصة حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وباقي زعماء الدول السبع والدول المدعوة للمشاركة، مثل مصر والهند والبرازيل وكينيا وكوريا الجنوبية وقطر والإمارات.
فالقمة هذه المرة قررت تعزيز الحضور بالتعاون مع القوى الإقليمية الصاعدة، فالعالم واجه خلال الحرب الأخيرة تحديًا غير مسبوق، وشكل صدمة للدول الكبرى التي تعتمد كليًا على نفط وغاز الخليج، مما جعل القوى الصناعية الكبرى تدرك أن استقرار الممرات المائية والاقتصاد العالمي يمر حتمًا عبر التنسيق مع القوى الإقليمية المتزنة في المنطقة، وعلى رأسها مصر.
من هنا نفهم أن مشاركة مصر كانت تعني، في هذه القمة الكبرى، حضورًا مميزًا للمناقشة والحوار والحديث، وتعاملًا بروتوكوليًا وتنفيذيًا معاملة الدول السبع الأساسية؛ فلها مساحات للحديث، وتشارك في الموائد المستديرة، وتساهم في صياغة البيانات الختامية والقرارات المبدئية والنهائية.
إن دعوة مصر للمشاركة في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى تجاوزت الطرح التقليدي حول الأهمية الجغرافية، بل تعود إلى الدور المحوري لمصر كصانعة للسلام في أزمة غزة الأخيرة، وهذا النهج المتزن يتطابق تمامًا مع العقيدة السياسية لدول مثل اليابان وكندا والاتحاد الأوروبي، التي تضع السلام العالمي أساسًا لنموها الاقتصادي.
وحتى في ظل الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، تحظى الدولة المصرية ورئيسها عبد الفتاح السيسي باحترام كبير، نظرًا لإثبات القاهرة في كل الأزمات الإقليمية والدولية أنها وسيط ناجح يقف على مسافة واحدة من الجميع دون انحياز، وهو ما رفع رصيد الدبلوماسية المصرية دوليًا بعد نجاح جهود الوساطة في غزة.
الدعوة الموجهة لمصر لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج تقارب استراتيجي قاده الرئيس السيسي على مدار السنوات الخمس الماضية مع القوى الأوروبية الكبرى، وهذا التقارب تحول إلى الارتقاء بالعلاقات المصرية الأوروبية إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين في أكتوبر 2025.
ومشاركة مصر في قمة مجموعة السبع تعكس المكانة المتنامية التي باتت تحظى بها الدولة المصرية على الساحة الدولية، فالدعوة للمشاركة لم تعد ترتبط باعتبارات دبلوماسية أو بروتوكولية، وإنما تعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا لأهمية الدور المصري في التعامل مع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه العالم.
ما المكاسب التي حققتها مصر من المشاركة في هذه القمة؟حققت مصر مكاسب جمة على المستويين السياسي والاقتصادي، فاللقاءات والحوارات الثنائية مع زعماء المجموعة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي ترامب، تؤكد المكانة السياسية والاستراتيجية لمصر كصمام أمان إقليمي، وهو ما أشاد به عدد من القادة المشاركين بدور مصر وجهود الرئيس السيسي لتحقيق الاستقرار والتوصل إلى السلام في المنطقة.
فقد أشارت رئيسة الوزراء الإيطالية إلى أن مشاركة الرئيس السيسي في الاجتماع تؤكد أنه لا يمكن التوصل إلى السلام سوى بالاتفاق، على غرار معاهدة السلام التي تم إبرامها بين مصر وإسرائيل، موضحة أهمية التوصل إلى حل عادل بالنسبة للفلسطينيين.
كما أكد رئيس الوزراء الكندي الدور الكبير الذي قام به الرئيس السيسي والرئيس ترامب للتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في قطاع غزة.
وكانت المشاركة فرصة لتأكيد رؤية مصر وموقفها الثابت من قضايا المنطقة والعالم.
لكن بالطبع كان المشهد اللافت هو اللقاء بين الرئيس السيسي وترامب.
فقد أصبح أمرًا اعتياديًا أن نرى في كل مؤتمر دولي أو قمة تجمع زعماء العالم حجم الترحيب والاهتمام والاحترام والتقدير من ترامب لمصر ورئيسها.
وتحدث ترامب عن الرئيس السيسي بنبرة تقدير واحترام لافتة.
وقال ترامب علنًا وأمام الصحفيين: «قيل لي إن رئيس مصر موجود.
وكان هذا الأمر مهمًا بالنسبة لي أن أكون مع رئيس مصر.
لقد التقيت به قبل أن أفوز، وكان ذلك في فندق، وحدث بيننا وفاق، ومنذ ذلك الوقت، ومنذ اللقاء الأول، نشأت بيننا علاقة جيدة، رغم أننا لم نكن نعرف بعضنا قبل ذلك، لكن حدث بيننا انسجام كبير، وأصبحت هناك كيمياء بيننا.
وأنا أقضي أطول وقت معه عندما ألتقيه، ومصر دولة آمنة وبيئة خصبة للاستثمار، وأنا أدعو جميع دول العالم للذهاب والاستثمار في مصر».
إن دعوة ترامب دول العالم للاستثمار في مصر تفتح الباب إلى مزيد من التعاون الاقتصادي بين القاهرة ودول المجموعة، فمصر ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية، وتعد المجموعة شريكًا تجاريًا رئيسيًا ومصدرًا حيويًا للاستثمارات.
وتتسم العلاقات بين مصر ودول المجموعة السبع بحجم تبادل تجاري ضخم يقترب من تريليون جنيه مصري (حوالي 30 مليار دولار لعام 2025)، واستثمارات متبادلة.
وتعد هذه الدول أسواقًا مهمة للصادرات والواردات المصرية، حيث بلغ إجمالي الصادرات حوالي 9.
5 مليار دولار، بينما سجلت الواردات حوالي 20.
2 مليار دولار.
وتعتبر الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا من أبرز الشركاء التجاريين لمصر داخل المجموعة.
وجاء لقاء الرئيس السيسي، على هامش القمة، مع رئيسة المفوضية الأوروبية مهمًا لاستعراض جهود تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية لتحسين التنافسية وتطوير بيئة الاستثمار.
وأكدت مشاهد القمة الكبرى حرص قادة العالم على الحوار مع قيادة مصر، التي لها دور محوري ومؤثر يحظى باحترام المجتمع الدولي بشأن قضايا المنطقة والعالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك