روسيا اليوم - مدفيديف يقترح على زيلينسكي ارتداء "الصليب الحديدي النازي" بدلا من وسام النسر الأبيض Independent عربية - قتيل وعدد من الجرحى في تصادم قطارين شمال لندن العربي الجديد - الأردن: تزويد مائي مُبرمَج لمواجهة شحّ المياه روسيا اليوم - التسوية الأوكرانية Independent عربية - ترمب محذرا إيران من عدم التوصل إلى اتفاق: سنقوم بأشياء لا تسعدهم العربي الجديد - البيوت الخشبية... تحوّل جذري في حياة تونسيين العربي الجديد - البرلمان المغربي يدرس اقتراح رفع إجازة الأمومة روسيا اليوم - "أكسيوس": روبيو يخطط لزيارة الشرق الأوسط الأسبوع المقبل Independent عربية - 47 قتيلاً بضربات إسرائيلية في لبنان وعون يطالب بوقف شامل لإطلاق النار روسيا اليوم - تجدد الاشتباكات العنيفة في تلة علي الطاهر جنوب لبنان وسط أنباء عن خسائر إسرائيلية جديدة
عامة

BYD في دمشق… سيرة الطبقة الوسطى على أربع عجلات

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

قبل أشهر قليلة فقط، كان من الصعب أن تمر بضع دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي السورية، من دون أن تصادف إعلاناً عن سيارة جديدة. معارض سيارات تفتح أبوابها في دمشق وحلب وإدلب، مقاطع مصورة لشباب يقودون سي...

قبل أشهر قليلة فقط، كان من الصعب أن تمر بضع دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي السورية، من دون أن تصادف إعلاناً عن سيارة جديدة.

معارض سيارات تفتح أبوابها في دمشق وحلب وإدلب، مقاطع مصورة لشباب يقودون سيارات كهربائية، أو سيارات دفع رباعي صينية حديثة، وصفحات متخصصة تتابع أسعار السيارات المستوردة وأنواعها ومواصفاتها.

بدا وكأن البلاد التي أمضت سنوات طويلة تتحدث عن الخبز والمازوت والكهرباء، بدأت تكتشف لغة جديدة تتعلق بالمحركات والبطاريات والوكالات والعروض التجارية.

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد نتيجة طبيعية لانفتاح السوق بعد سنوات من القيود والعقوبات، لكن التوقف قليلاً عند هذا المشهد يكشف أن السيارات أصبحت تحمل معاني تتجاوز كثيراً وظيفتها كوسيلة للنقل.

فهي تعبر عن تصورات جديدة للنجاح والاستقرار والحياة الجيدة، وتعكس في الوقت نفسه التحولات التي أصابت المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة.

فالسيارة في سوريا لم تكن يوماً مجرد سلعة عادية.

وعلى امتداد تاريخ الدولة السورية الحديثة تقريباً، ظلت علاقتها بالمجتمع مرتبطة بأسئلة أكبر من النقل والحركة.

كانت مرتبطة بالندرة والامتياز والطبقة الاجتماعية، ثم بالحرب والانهيار الاقتصادي، وها هي اليوم ترتبط بخطاب جديد عن الرفاهية والانفتاح وإعادة الإعمار.

ومن هذه الزاوية، قد لا يكون تاريخ السيارات في سوريا مجرد تاريخ للتكنولوجيا أو الاستهلاك، بل هو أيضاً تاريخ للتحولات الاجتماعية التي عاشها السوريون، وتاريخ العلاقة المتغيرة بين الدولة والسوق والأفراد.

لا أذكر أنني كنت مهتماً بعالم السيارات يوماً.

في طفولتي، كانت السيارات جزءاً من المشهد اليومي، أكثر من كونها موضوعاً للشغف أو الهواية.

في القامشلي التي عشت فيها طفولتي، كانت (البيك أب) هي السيارة الأكثر حضوراً.

كانت السيارة أداة للعمل.

تحمل المحاصيل، وتنقل العمال، وتقطع الطرق الزراعية الوعرة.

لكن مع نهاية التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة بدأت صورة السيارة تتغير تدريجياً.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بالمزارعين، أو أصحاب الورش، أو التجار الذين يحتاجون إلى مركبات للعمل.

بدأت السيارة الخاصة تدخل إلى أحلام شرائح أوسع من السوريين، وأخذت المدن السورية تشهد ظهور نماذج جديدة لم تكن مألوفة في العقود السابقة.

أتذكر شراء والدي سيارة (نيسان تيدا) سوداء في دمشق عام 2006.

كنت يومها في الثامنة عشرة تقريباً.

بدت السيارة فارهة نسبياً قياساً بما كان منتشراً في الشوارع السورية آنذاك.

وكان بعض الناس ينظرون إليها باعتبارها دليلاً على مستوى اجتماعي معين، بل إن البعض كان يظنني، بحكم قيادتي لها في سن صغيرة، ابن مسؤول اعتدنا على رؤيتهم في شوارع البلاد، خاصة مع لونها الأسود الذي كان يضفي عليها هيبة إضافية.

لم يكن ذلك مرتبطاً بالسيارة نفسها بقدر ما كان مرتبطاً بالمكانة الرمزية التي بدأت السيارات الحديثة تحتلها داخل المجتمع السوري.

في تلك السنوات انتشرت سيارات (نيسان صني وبيجو خودرو وكيا ريو وهيونداي أكسنت وفورد) وبعض السيارات الأوروبية والإسبانية.

كانت تلك السيارات تعبر عن لحظة اجتماعية محددة.

لحظة شهدت توسعاً نسبياً للطبقة الوسطى، أو على الأقل شعوراً عاماً بإمكانية الصعود الاجتماعي.

امتلاك السيارة لم يكن مجرد قرار استهلاكي، بل كان إعلاناً عن الانتقال إلى نمط مختلف من الحياة.

أصبح التنقل أكثر استقلالاً، وأصبح بالإمكان السفر مع العائلة، أو زيارة الأقارب، من دون الاعتماد على الباصات ووسائل النقل العامة.

لكن هذه المرحلة نفسها لم تكن مفهومة إلا بالعودة إلى ما سبقها.

فبالنسبة لأجيال سورية كاملة، لم تكن السيارة سلعة متاحة بسهولة.

خلال الثمانينيات والتسعينيات ارتبطت السيارات باقتصاد الندرة.

كان الحصول على سيارة يحتاج إلى تسجيل وانتظار وأدوار طويلة.

وكما انتظر السوريون سنوات للحصول على هاتف أرضي، أو شقة ضمن مشاريع الإسكان الحكومية، انتظر كثيرون سنوات للحصول على سيارة.

بهذا المعنى كانت السيارة جزءاً من المنظومة الاقتصادية والسياسية التي حكمت سوريا لعقود.

لم تكن مجرد سلعة تباع وتشترى في السوق، بل مورداً محدوداً يخضع للتوزيع والرقابة والتنظيم.

ولذلك اكتسبت قيمة رمزية كبيرة.

كانت تعبر عن القدرة على الوصول إلى الموارد النادرة، وعن الموقع داخل شبكة الامتيازات والعلاقات الاجتماعية.

ثم جاءت الحرب وغيرت كل شيءكما تغيرت حياة السوريين، تغيرت حياة سياراتهم أيضاً، توقفت عجلة التجديد تقريباً، تحولت الشوارع السورية إلى متحف مفتوح لسيارات التسعينيات وبداية الألفية.

ازدهرت ورش التصليح.

انتشرت تجارة القطع المستعملة.

وظهرت أشكال مختلفة من الاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالسيارات.

أصبح الحفاظ على السيارة القديمة أكثر أهمية من التفكير بشراء سيارة جديدة.

خلال تلك السنوات لم يعد السؤال يدور حول الموديل الأحدث أو العلامة التجارية المفضلة، بل حول كيفية إبقاء السيارة على قيد الحياة سنة إضافية أو سنتين إضافيتين.

وكما تعلّم السوريون إصلاح منازلهم بأقل الإمكانيات، تعلموا أيضاً إصلاح سياراتهم وإعادة تدوير قطعها واستيراد البدائل المستعملة لها.

بقيت سيارة العائلة مركونة سنوات أمام منزل أختي بعد مغادرتي البلاد.

سُرقت دواليبها كما سُرقت دواليب عشرات السيارات الأخرى في مدن سورية مختلفة.

ثم بيعت لاحقاً وانتهت قصتها.

وربما تختصر قصة تلك السيارة جانباً من قصة طبقة اجتماعية كاملة عاشت مرحلة ما قبل الحرب ثم وجدت نفسها في عالم مختلف تماماً.

في تركيا لم تتطور علاقتي بالسيارات كثيراً، لم يكن السبب اقتصادياً، بل شعوراً دائماً بعدم الاستقرار.

كنت أستطيع شراء سيارة جيدة، لكنني لم أفعل.

كان عالم الباصات والمترو والعبارات أكثر حضوراً في حياتي اليومية، خاصة أن تركيا وفرت بنية تحتية قوية للنقل العام، وبالأخص ما عُرف بالمتروبوس، الذي كان يبدو لي كسفينة تشق طريقها في عرض الأوتوستراد، متجاوزاً الازدحام ومقدماً بديلاً عملياً ومريحاً عن امتلاك سيارة خاصة.

لكن بعد سنوات من العيش في تركيا، انتقلت إلى الخليج، وتحديداً إلى الإمارات، وهو ما فتح أمامي نافذة مختلفة تماماً على عالم السيارات.

مع مرور الوقت اكتشفت هواية لم أتوقعها يوماً، وهي زيارة معارض السيارات.

وربما ما دفعني إلى ذلك في البداية، أنني خلال الفترة الأولى، وفي جلسات الأصدقاء، كنت أشعر بشيء من الجهل حين يدور الحديث عن الماركات وأنواع السيارات ومزاياها المختلفة، لذلك قررت أن أتعلم أكثر عن هذا العالم.

ومع مرور الوقت لم يعد الأمر مجرد محاولة للحاق بالأحاديث الدائرة حولي، بل تحول إلى اهتمام حقيقي.

لم أكن أذهب بهدف الشراء بالضرورة، بل بهدف مشاهدة كل ما هو جديد.

هناك بدأت أرى السيارات بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية، وليس مجرد وسائل نقل.

السيارات الصينية الجديدة، السيارات الكهربائية، الشاشات الضخمة، أنظمة القيادة الذكية، والمواصفات التي تتغير بوتيرة متسارعة.

أتذكر تعليق أحد الباعة حين وصف بعض السيارات الصينية بأنها تشبه فتاة تضع الكثير من الماكياج.

لامعة وجذابة ومليئة بالمفاجآت.

لكنه أضاف في الوقت نفسه أن كثيراً من الزبائن ما زالوا يفضلون الياباني والألماني.

لم يكن الحديث عن المحركات فقط، بل عن الثقة والسمعة والمكانة الاجتماعية والذوق الشخصي.

هناك أدركت أن السيارة تشبه إلى حد بعيد الملابس، أو المنازل أو حتى الطعام.

فالناس لا يشترون السيارات فقط لأنها تنقلهم من مكان إلى آخر، إنهم يشترون أيضاً صورة معينة عن أنفسهم.

اليوم تبدو سوريا وكأنها تدخل مرحلة جديدة من علاقتها بالسيارات، فبعد سنوات طويلة من الإغلاق والعقوبات، دخلت أعداد كبيرة من السيارات إلى البلاد.

وظهرت معارض جديدة.

وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بإعلانات البيع والشراء والمراجعات والمقارنات.

لكن الظاهرة الأهم ليست السيارات نفسها، بل الخطاب الذي يرافقها.

هناك سردية جديدة تتشكل حول معنى الحياة الجيدة.

سردية تربط بين امتلاك السيارة، والنجاح والاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل.

أحد تجار السيارات العاملين في الشارقة زار سوريا مؤخراً، وعندما سألته عن انطباعه قال، إن البلاد تبدو وكأنها دخلت مرحلة مختلفة.

وعندما سألته عن السبب أجاب ببساطة: «صار بإمكان الناس شراء سيارات».

الاهتمام السوري الراهن بالسيارات لا يتعلق فقط بفتح الأسواق أو زيادة الاستيراد، بل يكشف أيضاً عن تحولات أعمق في تصورات الناس للحياة الجيدة وللحرية الفردية وللعلاقة مع الفضاء العام.

هذه العبارة البسيطة تكشف تصوراً كاملاً عن التنمية والرخاء.

فامتلاك السيارة هنا يتحول إلى مؤشر على التعافي الاقتصادي، وإلى دليل على عودة الحياة الطبيعية.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

فمعظم من اشتروا سيارات جديدة خلال الفترة الأخيرة لا يمثلون المجتمع السوري كله.

كثير منهم قادمون من الخارج.

يعملون في الخليج أو أوروبا، أو يمتلكون مصادر دخل أعلى من المتوسط المحلي.

ولهذا فإن السيارات الجديدة لا تعبر بالضرورة عن تحسن شامل في أوضاع السوريين، بقدر ما تعبر عن تشكل شرائح اجتماعية جديدة تمتلك قدرات اقتصادية مختلفة عن بقية المجتمع.

وهنا يمكن الاستفادة من الأدبيات الأنثروبولوجية، التي تناولت ما يُعرف بـ»الأوتوموبيلية»، أو ثقافة السيارة بوصفها أكثر من مجرد وسيلة نقل.

ومن الكتب اللافتة في هذا المجال كتاب الباحثة الأنثروبولوجية جون تشانغ «القيادة نحو الحداثة: السيارات وحياة الطبقة الوسطى في الصين المعاصرة»، الذي يتتبع كيف تحولت السيارة في الصين خلال العقود الأخيرة من سلعة نادرة، إلى رمز مركزي للصعود الاجتماعي ولتشكل طبقة وسطى جديدة.

لا يركز الكتاب على السيارات بوصفها منتجات صناعية فقط، بل على الكيفية التي أعادت بها تشكيل أحلام الناس وتصوراتهم عن النجاح والاستقلال والحرية والحياة العائلية.

وتبين تشانغ أن امتلاك السيارة أصبح جزءاً من مشروع أوسع لبناء هوية الطبقة الوسطى الصينية، وأن السيارة تحولت إلى علامة على الاندماج في اقتصاد السوق، وعلى القدرة على الاستهلاك والمشاركة في نمط حياة حديث.

لكن المفارقة أن الحالة السورية تختلف عن الحالة الصينية في نقطة أساسية.

ففي الصين ارتبط انتشار السيارات بتوسع الطبقة الوسطى وارتفاع مستويات الدخل لدى شرائح واسعة من السكان، بينما تأتي موجة السيارات الجديدة في سوريا، وبالأخص السيارات الصينية، أو في سياق تآكل الطبقة الوسطى التقليدية نتيجة الحرب والهجرة والانهيار الاقتصادي.

كما أن السيارات الصينية نفسها، التي تُسوَّق في كثير من دول الخليج، بما فيها الإمارات، بوصفها خياراً جذاباً لشرائح ميسورة أو لما يمكن تسميته ببقايا الطبقة الوسطى العليا الباحثة عن مواصفات مرتفعة بأسعار أقل من السيارات الأوروبية واليابانية، لا تُنظر إليها بوصفها سيارات للفئات الفقيرة.

وربما لهذا السبب تبدو BYDالتي تحولت خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أكثر السيارات حضوراً في الإعلانات والمعارض السورية، أكثر من مجرد علامة تجارية صينية.

فهي تمثل بالنسبة لكثيرين صورة عن سوريا الجديدة نفسها؛ سوريا التي تحاول العودة إلى السوق العالمية، والتي يبحث جزء من سكانها، طبقة تشكل جزء منها في المنافي وأسواق العمل الخليجية، وعاد محملا بتصورات مختلفة عن الراحة والاستهلاك والحياة اليومية.

لكن هذه الصورة تكشف في الوقت نفسه حدود هذا التحول، لأن امتلاك سيارة من هذا النوع ما يزال يتطلب موارد مالية لا تتوافر لغالبية السوريين، ما يجعلها أقرب إلى رمز للقدرة الشرائية والتميّز الاجتماعي منها إلى وسيلة نقل متاحة على نطاق واسع.

توسيع الطرق: لغة سياسية جديدةومن هذا المنظور، فإن الاهتمام السوري الراهن بالسيارات لا يتعلق فقط بفتح الأسواق أو زيادة الاستيراد، بل يكشف أيضاً عن تحولات أعمق في تصورات الناس للحياة الجيدة وللحرية الفردية وللعلاقة مع الفضاء العام.

وهذا ما يجعل السيارة أداة مفيدة لفهم التحولات الاجتماعية الراهنة.

فهي تكشف من يملك القدرة على الاستهلاك ومن لا يملكها، وتكشف أيضاً أشكال التفاوت الجديدة الحادة التي أخذت تظهر داخل المجتمع السوري، لكن في الوقت نفسه تكشف هذه الظاهرة عن مشكلات أخرى.

عن ازدحام متزايد، نقص في المواقف، حوادث سير، وبنية تحتية لم تُصمم لاستقبال هذا العدد من المركبات.

وهنا يبرز تناقض واضح، ففي الوقت الذي يجري فيه الترويج للسيارة بوصفها رمزاً للحرية الفردية، وعودة البلاد لعافيتها، يجد أصحاب السيارات أنفسهم محاصرين بمشكلات الحركة والازدحام التي تنتجها هذه الحرية نفسها.

وهذا ما يدفع بعض الشرائح الجديدة الأكثر قدرة على الاستهلاك إلى الحديث عن ضرورة إعادة تشكيل الفضاء الحضري، بما يتناسب مع أنماط الحياة الجديدة ومتطلبات التنقل الحديثة.

وبالتالي تصبح قضية السيارات أكثر ارتباطاً بالسياسة، مما تبدو عليه للوهلة الأولى، إذ تفتح نقاشات أوسع حول أولويات التخطيط العمراني، ومستقبل المدن السورية، وكيفية إدارة عمليات إعادة الإعمار والتجديد الحضري في السنوات المقبلة.

ومن اللافت أيضاً أن السيارة ما زالت مرتبطة بالسلطة كما كانت في السابق، وإن بأشكال مختلفة.

فالسوريون الذين عاشوا عقوداً من مشاهدة مواكب المسؤولين والسيارات السوداء الفارهة لم يتعاملوا مع السيارات الحكومية الجديدة باعتبارها مجرد أدوات عمل.

النقاشات التي رافقت ظهور سيارات الشرطة الحديثة، أو مواكب سيارات المسؤولين الجديدة كشفت أن السيارة ما زالت تحمل شحنة سياسية ورمزية كبيرة.

بالنسبة للبعض هي رمز لدولة حديثة ومنظمة.

وبالنسبة لآخرين هي تعبير عن أولويات لا تنسجم مع الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد.

وهكذا يتحول عالم السيارات إلى أكثر من مجرد سلعة.

إنها لغة كاملة يمكن من خلالها قراءة المجتمع السوري الجديد.

فمن خلالها يمكن فهم التغيرات التي طرأت على الطبقات الاجتماعية، والتحولات التي أصابت مفهوم الرفاهية، وتبدل العلاقة بين الدولة والسوق والأفراد.

في المحصلة، فإن ما يتشكل اليوم في سوريا هو نوع من «الثقافة الأوتوموبيلية» الجديدة، أو عدسة اجتماعية يمكن من خلالها قراءة تحولات المجتمع نفسه.

فالسيارة لم تعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت مؤشراً على الصعود الاجتماعي، أو التراجع، وعلى القدرة على الاستهلاك أو العجز عنه، وعلى أشكال الاندماج الجديدة في السلطة والاقتصاد.

ومن خلال تتبع حضور السيارات وأنواعها وأصحابها، يمكن قراءة قصة الطبقة الوسطى السورية وصعودها في مرحلة ما، ثم انهيار أجزاء واسعة منها خلال الحرب، وظهور شرائح جديدة تشكلت بفعل الهجرة والتحويلات المالية والعمل في الخارج، والكيفية التي يعيدون من خلالها تعريف النجاح والاستقرار والحياة الجيدة، في بلد يعيد تشكيل نفسه اليوم من دون موارد أو محطات بنزين كافية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك