لا يبدأ الاستعمار دائماً بإنزال الجنود على الشواطئ، ولا برفع أعلام الغرباء فوق القصور الرئاسية.
ففي كثير من الأحيان يبدأ الاستعمار عندما تعجز النخب الحاكمة عن إدارة تناقضاتها الداخلية، فتكتشف أن الاستعانة بالخارج أقل كلفة من التفاهم مع مواطنيها.
عندها تتحول السيادة من مبدأ سياسي إلى ورقة تفاوض، وتتحول الثروة الوطنية من مورد عام إلى ثمن يُدفع مقابل الحماية.
هذه الظاهرة التي تصفها أدبيات النيوكولونيالية بأشكال الهيمنة غير المباشرة ليست جديدة في التاريخ.
فالنفوذ الخارجي في صورته الحديثة لا يحتاج إلى احتلال عسكري مباشر، بل يقوم على تحالفات بين نخب محلية ضعيفة ومصالح خارجية قادرة على تحويل الموارد الوطنية إلى أدوات نفوذ طويل الأمد.
وفي مثل هذه الحالات لا تُفرض السيطرة بالقوة وحدها، بل تُمنح لها شرعية داخلية عبر شبكات المصالح والتحالفات السياسية والاقتصادية.
ولعل ما يميز هذا النمط من الهيمنة أنه أكثر تعقيداً من الاستعمار التقليدي.
فالأخير كان يدخل بقوة السلاح ويعلن نفسه صراحة، أما الهيمنة الحديثة فتعمل من داخل البنى السياسية والاقتصادية للدولة نفسها.
إنها لا تبحث عن أبواب مغلقة لتكسرها، بل عن أبواب مفتوحة أصلاً.
ولذلك يمكن وصفها بأنها نوع من “الاستعمار بالتراضي”، حيث لا يبدأ النفوذ الخارجي من قوة الخارج وحدها، بل من ضعف الداخل واستعداده للمقايضة على السيادة مقابل البقاء أو الحماية أو المكاسب قصيرة الأجل.
وليست هذه الظاهرة غريبة على تجارب الأمم.
ففي أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، وجدت نخب محلية نفسها عاجزة عن بناء تسويات اجتماعية مستقرة مع الفلاحين والعمال والأقاليم المهمشة، فلجأت إلى التحالف مع الشركات الأجنبية والقوى الخارجية لحماية مواقعها ومصالحها.
ولم يكن التدخل الخارجي في تلك الحالات سبب الأزمة بقدر ما كان نتيجة لها.
وفي أفريقيا أيضاً تتكرر القصة بأشكال مختلفة.
ففي الكونغو الديمقراطية، كما في بعض دول الساحل، تحولت الثروات المعدنية من فرصة للتنمية إلى مدخل لإعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة نفسها.
ومع تراجع قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الموارد، دخلت الشركات الأجنبية والقوى الإقليمية والجماعات المسلحة في معادلة واحدة، حتى بات من الصعب التمييز بين الاقتصاد والسياسة والأمن.
القاسم المشترك في كل هذه التجارب لم يكن الذهب أو النفط أو المعادن النادرة، بل عجز الدولة عن أداء دورها كحكم محايد بين الجماعات والمصالح.
فحين تتراجع الدولة، تتقدم الهويات الأولية، ويتقدم رأس المال الباحث عن الحماية، ويتقدم الخارج الباحث عن النفوذ.
وهنا تحديداً يبدأ الاقتراب من الحالة السودانية.
فما نشهده اليوم لا يمكن تفسيره فقط عبر عقود التعدين أو الاستثمارات الأجنبية أو حتى الضربات العسكرية المتفرقة.
فهذه جميعها أعراض لمرض أعمق.
أما المرض نفسه فهو التآكل المستمر لفكرة الدولة بوصفها وسيطاً عادلاً بين الأرض والسكان والثروة.
غير أن العامل الحاسم الذي يسمح لكل هذه الديناميات بالالتقاء ليس التنوع الهوياتي ولا الاستثمار الأجنبي في حد ذاته، بل تآكل الدولة كحكم محايد بين الجماعات والمصالح.
فحين تفقد الدولة قدرتها على تنظيم الوصول إلى الموارد، تتحول الهوية إلى أداة تعبئة، ويتحول المستثمر إلى فاعل سياسي، ويصبح التدخل الخارجي جزءاً من معادلة الحكم لا استثناءً عليها.
لذلك فإن الأزمة السودانية ليست أزمة ذهب فقط، ولا أزمة هوية فقط، بل أزمة دولة فقدت احتكارها للوساطة بين الأرض والسكان والثروة.
ومن هنا تكتسب قضية التعدين معناها السياسي الحقيقي.
ففي بعض مناطق التعدين بالشمالية ونهر النيل برزت خلال السنوات الأخيرة توترات متكررة بين المجتمعات المحلية وبعض المجموعات الوافدة من مناطق أخرى، خصوصاً مع اتساع التعدين الأهلي وتزايد المنافسة على الموارد والخدمات والأراضي.
ولم تكن هذه التوترات دائماً ذات طابع إثني خالص، بل اختلط فيها الاقتصادي بالاجتماعي والهوياتي في بيئة تفتقر إلى آليات عادلة لتنظيم الوصول إلى الثروة.
لكن خطورة هذه التوترات لا تكمن في وجودها فحسب، بل في الطريقة التي جرى توظيفها بها سياسياً واقتصادياً.
فحين يُنظر إلى أبناء الهامش الذين قدموا بحثاً عن الرزق داخل وطنهم باعتبارهم مشكلة أمنية لا مواطنين كاملي الحقوق، يصبح من السهل الانتقال من إدارة الخلاف إلى إدارة الإقصاء.
وتصبح القوة بديلاً عن السياسة، والحلول الأمنية بديلاً عن الحلول الاجتماعية.
وهنا تتكشف الحلقة المركزية التي تحكم المشهد كله.
فالتوتر الهوياتي المحلي يوفر شرعية اجتماعية لعسكرة المجال الاقتصادي.
وما إن تصبح الثروة قضية أمنية حتى تتحول إدارتها إلى شأن عسكري لا سياسي.
وحين تُعسكر إدارة الموارد يصبح الطريق ممهداً أمام الفاعلين الخارجيين كي يتحولوا من مستثمرين إلى أصحاب نفوذ سياسي وأمني.
بهذه الطريقة لا يأتي التغول الخارجي من فراغ، بل يجد أمامه بنية داخلية جاهزة لاستقباله.
فالأرض المختلف عليها موجودة، والتوترات الاجتماعية قائمة، والدولة غائبة أو ضعيفة، والموارد مغرية.
وما يحتاجه الخارج هو فقط اللحظة المناسبة للدخول.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحضور المصري المتزايد في السودان.
فمصر، مثل أي دولة أخرى، لا تتحرك خارج منطق المصالح.
وهي تواجه منذ سنوات طويلة مجموعة من التحديات المتراكمة: نمو سكاني ضخم يضغط على الموارد المحدودة، وأزمات اقتصادية مزمنة، واعتماداً متزايداً على الخارج في تأمين احتياجات أساسية، وتعقيدات مرتبطة بالأمن المائي والتحولات الإقليمية في البحر الأحمر والشرق الأوسط.
وفي ظل هذه الضغوط يصبح البحث عن مجالات حيوية خارج الحدود سلوكاً مألوفاً في حسابات الدول.
غير أن المشكلة لا تكمن في أن مصر تبحث عن مصالحها، فهذه طبيعة العلاقات الدولية.
المشكلة تكمن في أن السودان يُنظر إليه في بعض دوائر التفكير الاستراتيجي باعتباره مجالاً يمكن أن يساهم في تخفيف بعض تلك الضغوط، سواء عبر الاستثمار أو النفوذ السياسي أو ترتيبات الأمن الإقليمي.
والأخطر من ذلك أن العلاقة لا تُبنى على أسس التكافؤ الحقيقي بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، بل كثيراً ما تُبنى على اختلال في موازين القوة يسمح للنخب الحاكمة في البلدين بإدارة العلاقة بما يخدم مصالحها الخاصة أكثر مما يخدم مصالح المجتمعين.
فالعلاقة المتكافئة تحتاج إلى فضاء سياسي أكثر حرية، وإلى مؤسسات قادرة على مساءلة السلطة، وإلى اقتصاد لا تحتكره شبكات ضيقة من المصالح.
أما حين تغيب هذه الشروط، فإن التعاون يتحول تدريجياً إلى تبعية، وتتحول الشراكة إلى وصاية مقنعة.
وفي هذه اللحظة تصبح الأداة العسكرية الخارجية قادرة على إنجاز ما تريده جهات داخلية دون أن تتحمل تلك الجهات مسؤوليته أمام شعبها.
فالتوتر الهوياتي يوفر المبرر.
وعسكرة الاستثمار توفر الأداة.
والتدخل الخارجي يوفر القوة اللازمة لفرض الوقائع الجديدة على الأرض.
ثم تعود هذه الوقائع نفسها لتعمق الانقسامات الاجتماعية وتغذي الشعور بالتهميش والغبن، فتبدأ الدورة من جديد.
ولعل أكثر ما يكشف عمق المأساة أن الباحث عن رزقه في أرض وطنه أصبح في أحيان كثيرة موضع ريبة وشك أكثر من المستثمر القادم من الخارج.
وكأن بعض السودانيين مطالبون دوماً بإثبات حقهم في الأرض والثروة، بينما تُفتح الأبواب أمام الآخرين عبر العقود والتفاهمات والامتيازات.
ليست هذه أزمة تعدين فحسب، ولا أزمة حدود، ولا أزمة استثمار أجنبي.
إنها أزمة وطن لم تنجح نخبته الحاكمة في بناء عقد اجتماعي يتسع لجميع أبنائه.
وحين عجزت عن ذلك، اختارت الطريق الأسهل: الاستقواء بالخارج بدلاً من التفاهم مع الداخل.
ولذلك فإن المأساة السودانية لا تكمن فقط في أن قوى خارجية وجدت طريقها إلى البلاد.
فهذه ظاهرة عرفها تاريخ كثير من الدول الضعيفة.
المأساة الحقيقية أن الطريق إلى ذلك النفوذ لم يُفتح من الخارج وحده، بل فُتح أيضاً من الداخل، عبر منظومة سياسية رأت في التسوية الوطنية عبئاً، وفي الشراكة مع المواطنين مخاطرة، وفي الارتهان للخارج ثمناً مقبولاً للبقاء.
عند هذه النقطة لا يعود الاستعمار حادثة تأتي من وراء الحدود، بل يصبح النتيجة المنطقية لمسار طويل بدأ بالوصاية على المجتمع، وانتهى بالوصاية على الوطن نفسه.
ومن هنا يبدأ آخر فصول المأساة السودانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك