ما تلك الكتلة السوداء التي تلوح في الأفق؟ كأنّي أرى أسراباً من الجراد تتحرك صوبنا.
يجلس ثلاثتنا: شخصي والزاكي الأرباب ومجاك فيوت في ركن قصي بالمطعم الأنيق.
أين ذهب حمدان توتو الذي قصدنا من جلسة اليوم في المطعم الأنيق أن تكون احتفالاً بتفوقه وحصوله على بكالوريوس الطب؟ أشهد أنّي رأيته ورحاب وسناء الفوراوية وأمل قبل لحظات وقد وقفوا لدى باب المطعم.
الفوراوية بلا شك أول من رآنا، فقد لوّحت بكفّها مبتسمة.
بادلناهم التحية وهم يتحركون صوب ركننا القصيّ في المطعم الأنيق.
رأيت ذلك بعيني قبل دقيقة أو دقيقتين.
أين ذهبوا؟ صمتٌ مطبق، وقد خلت الشوارع والأزقّة فجأة من المارّة.
إختفى الكل.
خلا المطعم من روّاده في غمضة عين.
اختفى العاملون والعاملات بملابسهم الأنيقة وكأنّما انشقت الأرض وابتلعتهم.
لا أثر لصاحب المطعم الذي رحّب بمقدمنا قبل لحظات بابتسامةٍ عريضة! أنظر من النافذة.
تتسع الكتلة السوداء لتأخذ شكل قوسٍ ضخم، سقفه السماء.
تتسع الكتلة السوداء.
كتلة الجراد، حتى لتكاد تحيط بالمدينة الكبيرة من كل صوب.
يقترب سرب الجراد.
سرب الشجر المتحرك.
تتضح الرؤى.
ليس سرب الجراد والشجر المتحرك سوى أرتال من العسكر المدجَّجين بالسلاح.
أفواجٌ تتقدمهم مصفّحات ودبابات.
تتضاءل أشعة الشمس، فيبدو الوقت أشبه بساعة الغروب.
نسمع قصف مدافع وزخات رصاص وعويل نساء وأطفال خلف الأسوار والنوافذ المغلقة.
يقف الزاكي وقد سبقنا كعادته في الإحساس بالخطر.
أقف ومجاك.
يصيح الزاكي – لكن بثبات: : – دي الحرب.
عملوها الأوغاد.
وحتكون نهايتهم! !يغلبنا الكلام – مجاك وأنا.
نتلفّت يمنة ويسرة.
ننظر صوب باب المطعم حيث قدمت الشلة قبل لحظات لنبدأ احتفالنا بحصول حمدان على بكالوريوس الطب.
ننظر نحو باب المطعم، قلب مجاك على سناء الفوراية وقلبي على أمل.
لا أحد هناك.
خلا المطعم فجأةً من رواده.
يشير الزاكي إلى باب خلفي للمطعم.
باب واسع مفتوح على مصراعيه.
نهرع صوبه.
نركض فيخفُّ هديرُ المدافع وعويلُ النساء وصراخُ الأطفال من خلفِنا … يتلاشى! ! لست أدري كم من الوقت قضيْنا ونحن نركضُ صوبَ البابِ الخلفي المشرع.
لست أدري.
ربما ركضْنا لساعةٍ أو ساعتين! أو ربما ركضنا ليومٍ أو يومين، لنقف على عتبة الباب الخلفي الواسع.
نرى خلفه عالماً من الخضرة المترامية بلا نهاية، عالماً هو النقيض لسربِ الجراد المدلهم.
يخطو ثلاثتنا خارجَ البابِ الخلفي الواسع.
ننقلُ خطانا على أرض يكسوها العشب الطري، وتحفّها البساتين.
أستنشق الهواء الطلق! أحدّق في الشمس الطالعة لتوِّها.
شمس يوم جديد.
تدفق شعاعها فوق هام الشجر الأخضر.
نرى رفاقنا – حمدان ورحاب وسناء الفوراوية وأمل، وهم يلوِّحون لنا فرحين.
كيف وصلوا إلى هنا؟ تنثال موسيقى من كلِّ الأرجاء.
أطيافٌ من الرجال والنساء والأطفال يملأون ساحة العشب الخضراء، والإبتسامات على وجوههم.
سحابات عابرات يغطين جبين الشمس للحظات.
زخات مطرٍ ناعم تسّاقط على العشب الأخضر.
والرجال والنساء والأطفال يرددون أناشيد وأغنيات حلوة النغم.
نردِّدُ معهم اللحن الطروب من أعماقِ أعماقِنا، وكأننا حفظناه في زمن كان أو زمنٍ بهيجٍ سيكون! !(هذه الضفاف تعرفني)- يصدر قريبا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك