منحت مدينة باريس المواطنة الفخرية للمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وكذلك للصحافيين الفلسطينيين العاملين في ما سمّته" مناطق النزاع في الشرق الأوسط"، في قرار رمزي بادر به عمدة المدينة الجديد، الاشتراكي إيمانويل غريغوار، مستجيباً لمطلب ظل حاضراً داخل أكثرية اليسار الباريسي خلال الولاية السابقة، من دون أن تتبناه العمدة السابقة آن إيدالغو.
وجرى التصويت، أمس الخميس، على القرار في مجلس بلدية باريس بحضور السفيرة الفلسطينية لدى فرنسا هالة أبو حصيرة، وقد قوبلت نتيجة التصويت بموجة من التصفيق داخل القاعة.
غير أن الصياغة التي اختارتها البلدية الاشتراكية بقيت حذرة جداً في توصيفها للأمور قياساً بحجم ما يتعرض له الفلسطينيون، إذ خصّت القرار بـ" المدنيين في غزة والضفة"، والصحافيين الفلسطينيين العاملين في مناطق النزاع، وتجنّبت تسمية الاحتلال الإسرائيلي أو الاستيطان أو الإبادة الجارية في غزة، مفضلة الحديث عن" حرب" و" نزاع".
وعلى الرغم من استخدامه هذه اللغة الدبلوماسية الحذرة، أثار القرار امتعاض أوساط سياسية ومدنية تعارض مثل هذه الخطوات تجاه فلسطين، حتى ولو كانت رمزية.
وشمل ذلك اليمين المحافظ في مجلس المدينة وخارجه، إلى جانب" الكريف"، أو" المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية"، الذي رأى أن القرار يمثل" قطيعة" مع موقف باريس" المتوازن" تاريخياً بين فلسطين وإسرائيل.
وقال غريغوار، الذي انتُخب عمدة في مارس/ آذار الماضي، أمام المجلس، إن" المواطنة الفخرية ليست مجرد فعل رمزي، بل هي التزام من أجل السلام.
إنّنا نمدّ يدنا إلى شعب بأكمله"، مضيفاً أنه" حين تصمت الدول، تستطيع المدن أن تتصرف بوصفها حارسة للمبادئ".
وتوجه إلى شرائح من الشعب الفلسطيني قائلاً: " إلى المدنيين في غزة والضفة الغربية، إلى العائلات والأطفال، إلى الأطباء الذين يحاولون مداواة جراح الحرب، إلى المعلمين الذين يعطون دروساً حتى تحت الأنقاض، إلى الصحافيين الذين يريدون نقل وقائع هذا النزاع القاتل: باريس تقول لكم إنكم مواطنات ومواطنون فخريون في مدينتنا".
من جهتها، شكرت السفيرة الفلسطينية غريغوار وأعضاء المجلس الذين دفعوا بهذا القرار ودافعوا عنه، معتبرة أنه يكرّم" كرامة وشجاعة وصمود الشعب الفلسطيني"، كما يحيّي الصحافيين الذين واصلوا، رغم المخاطر الكبرى التي قد يدفعون حياتهم ثمناً لها، توثيق ما يجري كي لا يدير العالم نظره بعيداً عن فلسطين.
وتضع هذه الخطوة غريغوار في موقع مختلف عن سلفه، آن إيدالغو، داخل بلدية حافظت خلال الانتخابات الأخيرة على أغلبيتها اليسارية.
إذ رغم مطالبة الكتل اليسارية، ولا سيما من شيوعيين وبيئيين، باعتراف رمزي تجاه فلسطين، ظلت إيدالغو تتجنب خطوة كهذه، بينما سارعت في عام 2024 إلى منح المواطنة الفخرية إلى" رهائن" عملية السابع من أكتوبر، وعلقت صورهم أمام مقر البلدية.
كما فضّلت العمدة السابقة رفع علم إسرائيل إلى جانب علم فلسطين على برج إيفل بالتزامن مع اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر/ أيلول 2025.
وربطت بلدية باريس قرارها الجديد بتدهور الوضع الإنساني والأمني في غزة والضفة الغربية، وبحالات التضييق والاعتقال والتهديد والقتل التي تطاول الصحافيين الفلسطينيين، مذكّرة بأنهم يشكّلون غالبية الصحافيين والعاملين في الإعلام الذين قُتلوا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لكن من دون أن تقف عند هوية الجهة التي تقتلهم أو تضيق عليهم أو تعتقلهم.
ودفع هذا الحذر جمعية" أورو بالستين"، الداعمة للقضية الفلسطينية، إلى انتقاد العمدة الباريسي، قائلة إنه" نجح في إنجاز هذه الخطوة من دون أن ينطق كلمة إسرائيل" ولو مرة واحدة، على الرغم من مسؤوليتها المباشرة في ما يعانيه الفلسطينيون من مدنيين وصحافيين.
وأضافت الجمعية أن غريغوار يقدم الفلسطينيين بوصفهم ضحايا" نزاع"، " لا محتل فيه ولا واقع تحت الاحتلال"، معتبرة أن عدم ذكر المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الأوضاع، وعدم فرض عقوبات عليهم، لا يساعدان على وضع حد لما يعانيه الفلسطينيون من إبادة واضطهاد وسلب أرضهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك