شهرة مدينة السقيلبية السورية الواقعة في ريف حماة الغربي أكبر من مساحتها وعدد سكانها.
والفضل في ذلك يعود إلى موقعها الجغرافي المتميز، والدور الذي نهضت به ضمن محيطها الاجتماعي والاقتصادي في منطقة متنوعة ومتعددة.
وبقدر ما تطورت المدينة نتيجة التفاعل مع البيئة الزراعية الرعوية، فإنها ساهمت في تنمية الزراعة، وتربية الماشية، التي تتميز بها محافظة حماة عن بقية أنحاء سورية، بفضل وفرة المراعي، فأجود أنواع لحوم الأغنام والسمن والأجبان تأتي من هناك، ومنها ما وصل بلدان الخليج العربي، كغنم" العواس"، الذي يُعد الصنف الأول.
تقوم البلدة القديمة منها على تل صغير يتجاوز ارتفاعه 200 متر، وما لبثت أن توسعت مساحتها مع تزايد السكان.
تجاور من كثب مدينة آفاميا وقلعتها (المضيق) الأثريتين، اللتين بناهما الإمبراطور سلوقس نيكاتور في العصر السلوقي الذي بدأ عام 323 قبل الميلاد، وانتهى على يد الرومان عام 55 قبل الميلاد.
ويعود تشكلها مدينةً حديثةً بهويتها السكانية الحالية إلى سنة 1800، أي إلى أواخر العهد العثماني.
ويتراوح عدد سكانها اليوم بين 15 ألفاً و20 ألفاً، تتشكل الغالبية العظمى منهم من المسيحيين الأرثوذكس الذين يتمتعون بمستوى تعليمي واقتصادي متقدم.
تشرف السقيلبية على سهل الغاب من جهة الشرق، والذي يقع بين جبال الساحل غرباً، ومرتفعات إدلب، ونهايات جبل الزاوية شرقاً (جبال الأربعين، وجبل شحشبو)، مع سلسلة هضاب صغيرة تصل حتى جنوب نهايات جبل الزاوية.
ويمتد السهل تقريباً من منطقة جسر الشغور شمالاً، حتى قرب مصياف جنوباً، ويبلغ طوله نحو 60 كيلومتراً، وعرضه بين 10 كيلومترات و15 كيلومتراً، وقد كان عبارة عن مستنقعات وأراضٍ تغمرها مياه العاصي، تعيش فيها الجواميس والطيور حتى تم إطلاق مشروع تجفيفها، وتحويلها لأراض زراعية عالية الخصوبة، والذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي (1952-1960)، ثم تسارع بعد قيام الوحدة مع مصر (1958 ــ 1961) على أثر وصول حزب البعث إلى السلطة.
وقد أدى المشروع إلى تجفيف المستنقعات، وإنشاء شبكات ري وصرف واسعة، وتحويل مساحات كبيرة إلى أراضٍ زراعية منتجة، وتوزيع قسم من الأراضي على الفلاحين.
وبموجب قوانين الإصلاح الزراعي، جرى تحديد سقوف الملكية، ومصادرة الفائض عن الحدود القانونية، ثم توزيع أراضٍ على أسر فلاحية حسب تشريعات لاحقة، نصت على منح الأسرة المنتفعة مساحات محددة من الأراضي المروية، وذلك على أثر الحد من الملكيات الكبيرة حسب قانون الإصلاح الزراعي، الذي انتزع العديد من القرى في المنطقة من ملكية الإقطاعيين الكبار من بيت العظم والبرازي والكيلاني وغيرهم، والذين حازوها وفق النظام الذي كان شائعاً خلال العهد العثماني ثم فترة الانتداب الفرنسي.
وكانت أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية السورية مملوكة لعائلات إقطاعية كبيرة في المدن، كحماة وحمص وبقية المحافظات السورية، بينما كان كثير من الفلاحين يعملون مستأجرين أو مزارعين بالمشاركة بربع الإنتاج مقابل عملهم في حراثة الأرض، وزراعة المحصول، وجنيه، بينما يذهب ثلاثة أرباعه للإقطاعي مالك الأرض الذي يقدم الأرض والبذار.
غالبية أراضي السقيلبية مملوكة لأهلهاوتختلف السقيلبية عن منطقة الغاب لجهة أن الجزء الأكبر من أراضيها كان مملوكاً لأهاليها أنفسهم، عدا ملكية كبيرة لمالك كبير واحد هو من أبناء المدينة وهو عبد الكريم الرستم، وليس لكبار ملاك المدن، كما كان شائعاً في مناطق أخرى في محافظة حماة.
وتروي حكاية المدينة جانباً من تاريخ ريف مدينة حماة الواقعة في وسط سورية، ويرجع الفضل في غناها الزراعي والحيواني إلى موقعها على نهر العاصي من جهة، وامتدادها، من جهة أخرى، نحو بادية الشام، حيث توجد حواضر مهمة، مثل مدينتي سلمية ومحردة.
تحولت السقيلبية من قرية مسيحية صغيرة إلى المركز الحضري الرئيسي للأرثوذكس في المنطقةوقد تحولت السقيلبية من قرية مسيحية صغيرة على حافة الغاب إلى المركز الحضري الرئيسي للمسيحيين الأرثوذكس في المنطقة كلها خلال القرن العشرين، والمركز الإداري والتجاري لسهل الغاب.
ويرى مطلعون على تاريخ المنطقة أن هذا التحول مرتبط مباشرةً باستصلاح الغاب وتوسع الزراعة والتعليم والهجرة الخارجية.
خلال سنوات الثورة على نظام بشار الأسد، تعرضت المنطقة لعدة مصاعب، من بينها تراجع البنية التحتية الزراعية، وتضرر شبكات الري، وحصلت موجات نزوح متكرر للسكان بسبب قرب بعض المناطق من خطوط التماس السابقة، وانتشار السلاح وتشكّل شبكات نفوذ محلية مرتبطة بالأوضاع الأمنية، سواء مع نظام الأسد أو ضده، ولذلك فإن إصلاح الوضع الاقتصادي لا يقل أهمية عن معالجة التوترات الأخرى التي لا تزال آثارها ماثلة.
فالمناطق التي تعاني من البطالة وضعف الخدمات تكون أكثر عرضة لها.
ومن الإيجابيات المنظورة، أن منطقة الغاب، التي يقطنها سنة ومسيحيون وعلويون ومرشديون وإسماعيليون، لم تشهد احتكاكات بين الأهالي سواء خلال الثورة أو بعد سقوط النظام، سوى الحدث المحدود الذي جرى في السقيلبية في مارس/آذار 2026.
ويلاحظ الزائر أن الحياة عادت إلى طبيعتها في المنطقة ككل، ليس بين السقيلبية وقلعة المضيق فقط، بل في مناطق الريف الحموي كافة.
والأمر المهم حسب شخصيات سياسية واجتماعية هو عدم حصول مواجهات واسعة بعد سقوط النظام في منطقة الغاب ذات التعدد الطائفي.
تواصل حالة التعايش بين أبناء المنطقةومن يتجول في هذه المنطقة يجد أن العلويين والمرشديين يعيشون على الطرف الذي يقع على السفوح الشرقية لجبال العلويين.
وكانت هناك مخاوف فعلية من تعرضهم لردات فعل من المحيط السني، ولكن ذلك لم يحصل، ولا أثر له، حيث لم تحدث احتكاكات أو حركات نزوح، بل استمرت حالة التعايش كما كان عليه الوضع قبل الثورة.
ويعزو منذر حنا، وهو أحد مثقفي المدينة ومعتقل سابق خلال حكم الأسد، هذا الاستقرار إلى أمرين.
الأول، أن العلاقات الاقتصادية والزراعية والاجتماعية بين القرى متشابكة منذ عقود، وكثير من الناس يعملون في الأراضي والأسواق وشبكات التجارة والخدمات نفسها، والثاني، أنه لم تحصل أعمال قتل وتهجير وخطف بين المجتمعات المتجاورة، وحيث حصل ذلك تظل احتمالات الانتقام أعلى.
ورغم وجود استقطاب سياسي واجتماعي ومخاوف متبادلة في أجزاء من الغاب، لم تشهد كل القرى المستوى نفسه من المواجهات المباشرة الذي شهدته مناطق أخرى.
وتقول شخصيات من المنطقة إن رصيد التعايش التاريخي بين مكوناتها أقوى من مخلفات المرحلة الأسدية، لكن ذلك لا يمنع وجود توترات تحت السطح تحتاج إلى معالجة، خاصة في ما يتعلق بمسألة الملكية، فهناك شكاوى من تجاوزات يقوم بها البعض، تتطلب تدخلاً رسمياً يضع حداً لها، ومثال ذلك حادث مارس الماضي في السقيلبية الذي ترى أوساط سياسية أن الدولة لم تعالجه على نحو صارم يمنع تكرره، بل اكتفت بإجراءات ترقيعيه سريعة.
وكان ملثمون هاجموا عدداً من المحال التجارية في المدينة، بعد شجار بين عدد من شبان المدينة ومن خارجها.
لا تمنع الأجواء الصافية وجود حالة من القلق تعبر عنها الهجرة الكبيرة للشبان من السقيلبية وخصوصاً نحو أوروبا وأستراليا.
ويعود السبب الرئيسي وراء ذلك إلى البطالة وعدم توفر فرص العمل بعد حالة الجفاف التي عرفتها المنطقة.
ولم ينج من هذا الواقع المرير سوى بعض المدن التي توجهت منذ زمن بعيد نحو تنويع الخيارات، ومنها محردة التي اهتمت بالتصنيع.
سمير سعيفان: مستقبل السقيلبية مرتبط بقدرتها على أن تصبح مدينة اقتصادية وتعليمية جاذبة لسهل الغاب كلهويرى الخبير الاقتصادي المعروف وأحد أبناء المدينة سمير سعيفان أن أخطر ما يواجه السقيلبية ليس هجرة الشباب فقط، بل الفئة المتعلمة منهم ما بين 20 و40 عاماً، موضحاً أنه إذا غادر الأطباء والمهندسون والمدرسون وأصحاب الأعمال الصغيرة، تبقى المدينة موجودة جغرافياً لكنها تفقد حيويتها تدريجياً، ولهذا" أعتقد أن مستقبل السقيلبية مرتبط بقدرتها على أن تصبح مدينة اقتصادية وتعليمية جاذبة لسهل الغاب كله، لا مدينة تعتمد فقط على الوظائف الحكومية أو التحويلات المالية من المغتربين.
وهذا يتطلب أيضاً ترميم العلاقات بين مكونات المنطقة، لأن أي شعور بعدم الاستقرار يدفع الشباب للتفكير في السفر قبل التفكير في الاستثمار أو الاستقرار".
هناك إجماع على أن حل مشكلة البطالة وإيجاد فرص عمل مدخل أساسي لتعزيز الاستقرار، وتثبيت الشباب في مناطقهم ومنعهم من الهجرة، ويتطلب ذلك تعاوناً بين الهيئات الأهلية والمبادرات الفردية والدولة والجهات الدولية المعنية بدعم المجتمعات المحلية.
وهنا تظهر النتيجة الإيجابية الكبرى لمشروع تجفيف الغاب والإصلاح الزراعي وحركة السكان خلال القرن العشرين، في أنها أنتجت مجتمعاً مختلطاً بدرجة أكبر من بعض المناطق المغلقة.
وهذا قد يكون أحد الأسباب التي جعلت التوازنات المحلية فيه مختلفة عن أماكن أخرى.
وثمة فرصة كبيرة لعودة الاهتمام بتطوير منطقة الغاب، وعودة التركيز على مشروع" الأكروبوليس" الذي طرح سنة 2002 وما بعدها، ولكنه بقي حبراً على ورق.
ويبقى صالحاً اليوم لأنه يهدف إلى تنمية المنطقة ككل، وتطوير تنظيم الإنتاج، وزيادة إنتاجية الأرض وإدخال زراعات جديدة، وتوسيع تربية الماشية وإقامة صناعات غذائية تقوم على إنتاجات المنطقة، الزراعية الحيوانية، بما يجعله نموذجاً لتطوير مناطق أخرى عديدة تحمل إمكانات تنموية مشابهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك