على خلاف الدورات السابقة من كأس العالم لكرة القدم، التي كانت تمثل مناسبة استثنائية لتحريك عجلة الإنفاق الاستهلاكي وتنشيط قطاعات المقاهي والسفر والترفيه، تبدو النسخة الحالية مختلفة في تونس، إذ تسجل الحركة الاقتصادية المرتبطة بالمونديال تراجعاً ملحوظاً، وسط شكاوى من المهنيين بشأن ضعف الإقبال وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للتونسيين.
ويؤكد أصحاب مقاهٍ ووكالات سفر أن الحماسة التي كانت ترافق المونديال في دورات سابقة، وخاصة خلال مونديالي روسيا 2018 وقطر 2022، لم تنعكس هذه المرة على النشاط التجاري بالشكل المأمول، رغم أن البطولة تظل من أبرز الأحداث الرياضية العالمية القادرة على تحفيز الاستهلاك والخدمات.
في أحياء عديدة من العاصمة ومدن الداخل، كانت المقاهي تستعد قبل أشهر من انطلاق كأس العالم عبر اقتناء شاشات عملاقة وتنظيم عروض خاصة لجذب الزبائن، غير أن هذه الاستعدادات تبدو محدودة هذه المرة.
ويقول علاء ماطري، وهو صاحب مقهى بمنطقة الكرم في العاصمة تونس، إن ارتفاع أسعار المشروبات والمواد الأولية وفواتير الكهرباء واليد العاملة دفعهم إلى التريث في ضخ استثمارات إضافية مرتبطة بالبطولة، خصوصاً مع تراجع الإقبال اليومي للزبائن.
وأكد الماطري في تصريح لـ" العربي الجديد" أن متابعة المباريات داخل المقاهي لم تعد أولوية بالنسبة لعدد متزايد من التونسيين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للأسر.
وأضاف: " الحرفاء الذين كانوا يقضون ساعات طويلة في متابعة المباريات وإنفاق مبالغ إضافية على المشروبات والوجبات الخفيفة أصبحوا أكثر حذراً في مصاريفهم، بل إن كثيرين يفضلون مشاهدة المباريات في المنازل لتجنب أي نفقات إضافية".
لكن موسم المونديال يظل، بحسب المتحدث، من أهم مواسم نشاط المقاهي وصالونات الشاي التي تخصص مناطق خاصة بالمشجعين باستثمارات مكلفة.
وتابع: " بطولة كأس العالم من بين أبرز مواسم الكسب للمقاهي، الذي ينتظره المهنيون مرة كل أربع سنوات لتحقيق أرباح استثنائية"، لافتاً إلى أن المقاهي ترفع خلال هذا الموسم طاقتها الاستيعابية بأكثر من 50%.
ولا يعد قطاع المقاهي والمطاعم الوحيد المستفيد من بطولة كأس العالم، إذ تشهد محلات بيع الأجهزة الإلكترونية واشتراكات القنوات الناقلة حركة استثنائية، مع زيادة الطلب على الشاشات بمختلف الأحجام وأجهزة التقاط القنوات المشفرة التي تعرض مباريات البطولة.
وعادة ما توفر محلات بيع الأجهزة المنزلية والإلكترونية عروضاً تجارية وتخفيضات لتحفيز المبيعات، كما تقدم تسهيلات في الدفع مع إمكانية تأجيل الأقساط إلى بداية العام المقبل.
كذلك توفر بعض العروض اشتراكات سنوية للأجهزة الناقلة مجاناً، إضافة إلى حلول لالتقاط القنوات المشفرة عبر" الكودات" المقرصنة الأقل سعراً، والتي تجد رواجاً كبيراً خلال هذه الفترة.
وبعكس الدورات السابقة، لا يبرز قطاع وكالات السفر التونسية قطاعاً نشطاً في هذا الحدث الرياضي العالمي، خصوصاً مع تنظيم جزء كبير من مباريات كأس العالم في الولايات المتحدة، الوجهة التي ما زالت إجراءات السفر إليها تمثل عائقاً أمام العديد من التونسيين.
وقال عضو في الجامعة التونسية لوكالات السفر، متخصص في تنظيم رحلات المونديال، فضل عدم الكشف عن هويته، إن الوكالات لم تسجل حجوزات تُذكر لنقل مشجعين إلى المكسيك والولايات المتحدة حيث تُجرى مباريات المنتخب التونسي، على عكس النسخ السابقة من كأس العالم التي شهدت تنقلات مكثفة للمشجعين من تونس.
وأضاف أن حواجز التأشيرة المكلفة وارتفاع تكاليف السفر والإقامة والنقل الداخلي عرقلت تنقلات المشجعين، بما في ذلك ميسورو الحال، إذ تتجاوز ميزانية الرحلة الواحدة في كثير من الحالات قدرة الطبقة الوسطى التونسية، التي كانت تمثل القاعدة الرئيسية لزبائن الرحلات الرياضية في السابق.
كما أشار إلى أن الحجوزات المؤكدة لم تتجاوز بضع عشرات، بينما جرى إلغاء أخرى بسبب تراجع اهتمام أغلبية المشجعين بالسفر إلى مواقع المباريات، على عكس ما حدث في مونديال قطر الذي استفاد من القرب الجغرافي وسهولة الوصول النسبي للجماهير العربية.
وأوضح أن وكالات السفر التونسية نقلت خلال مونديال روسيا ما لا يقل عن ثمانية آلاف مشجع، واصفاً النسخة الحالية بأنها الأسوأ بالنسبة للقطاع، وقال: " ضعف الترويج التجاري والسياحي المرتبط بالمونديال حرم العديد من الأنشطة الاقتصادية من الاستفادة من الحدث العالمي، خاصة في ظل غياب حملات تسويق مبتكرة تجمع بين الرياضة والسياحة والاستهلاك المحلي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك