" أنا الزعيم".
هكذا خاطب دونالد ترامب قادة مجموعة السبع بنبرة ساخرة، مستحضراً صورة أميركا التي لا تكتفي بقيادة النظام الدولي، بل تفرض إيقاعه وقواعده.
لم يكن التصريح مجرد نزوة لرئيس مولع بالأضواء، بل تعبيراً صريحاً عن فلسفة سياسية ترى في القوة الاقتصادية الأميركية أداةً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وفرض الهيمنة على الخصوم والحلفاء على السواء.
صحيح أن طموحات ترامب اصطدمت بعثرات واضحة، من تعثر رهاناته على إخضاع إيران بالكامل، إلى انتكاسة تُعيق المشروع الأميركي - الإسرائيلي في لبنان، إلا أن ذلك لم يمنع واشنطن من مواصلة استخدام سلاح العقوبات بوصفه الذراع الأكثر فاعلية في ترسانة النفوذ الأميركي، مثلما فعلت مع رئيس" تيار المردة" اللبناني سليمان فرنجية.
الإمبراطوريات لا تفقد نفوذها حين تعجز عن فرض إرادتها فحسب، بل عندما يقرر الآخرون أن العالم لم يعد يحتمل" زعيماً" أوحدفالعقوبات الأميركية لم تعد تقتصر على تجميد الأصول أو حظر التعاملات المالية، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تعيد رسم مسارات التجارة والطاقة وحتى حركة الأفراد.
فعندما شددت واشنطن حصارها على الموانئ الإيرانية، لم يكن الهدف اقتصادياً فقط، بل كان خنق قدرة طهران على تصدير نفطها وفرض شروط التفاوض عليها.
وما إن اقتربت جولة جديدة من المحادثات النووية حتى سارعت الإدارة الأميركية إلى إنهاء الحصار بموجب مذكرة تفاهم مؤقتة، في إقرار ضمني بأن العقوبات أصبحت وسيلة ضغط قابلة للتعليق وإعادة التفعيل بحسب مقتضيات السياسة.
وتتجاوز أدوات العقاب النفط والموانئ إلى النظام المالي العالمي نفسه.
فالإقصاء من شبكة" سويفت" لا يعني مجرّد تعطيل التحويلات المصرفية، بل عزل دول وشركات وأفراد عن شرايين الاقتصاد العالمي.
كما استخدمت واشنطن هيمنة الدولار لمعاقبة خصومها، ومنعت وصوله إلى العراق بهدف فرض ضوابط على التدفقات المالية ومراقبة التجارة مع إيران.
ولم تسلم الرياضة من هذا" المنطق".
فالقيود المفروضة على سفر لاعبين ومسؤولين إيرانيين خلال مونديال 2026 كشفت أن العقوبات لم تعد تفرق بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، بل باتت تشمل كل مساحة يمكن تحويلها إلى ورقة ضاغطة.
تتجاوز أدوات العقاب النفط والموانئ إلى النظام المالي العالمي نفسه.
فالإقصاء من شبكة" سويفت" لا يعني مجرّد تعطيل التحويلات المصرفية، بل عزل دول وشركات وأفراد عن شرايين الاقتصاد العالميكما لم تتردد واشنطن في استخدام العقوبات الثانوية ضد شركات ومصارف أجنبية تتعامل مع خصومها، ما جعل النفوذ الأميركي يمتد إلى ما وراء الحدود الوطنية، ويحوّل الدولار والأسواق الأميركية إلى أدوات ردع عابرة للقارات.
وبهذا المعنى، أصبحت العقوبات بديلاً أقل كلفة من الحروب وأكثر قدرة على استنزاف الخصم (أو العدو) اقتصادياً ومالياً.
غير أن" الزعيم" الذي يلوّح بسوط العقوبات يواجه واقعاً مختلفاً الآن.
فروسيا والصين وإيران، كما دول أُخرى، تعمل على بناء قنوات دفع بديلة وتقليص الاعتماد على الدولار، بينما تدفع العقوبات المتكررة آخرين إلى البحث عن نظام عالمي أقل خضوعاً لإرادة واشنطن.
وهكذا، فإن نرجسية ترامب لا تنطلق من فراغ، بل تستند إلى قوة اقتصادية ومالية هائلة، غير أن الإفراط في استخدام هذه القوة قد يحمل في طيّاته بذور تآكلها.
فالإمبراطوريات لا تفقد نفوذها حين تعجز عن فرض إرادتها فحسب، بل عندما يقرر الآخرون أن العالم لم يعد يحتمل" زعيماً" أوحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك