تتجه الأنظار إلى سويسرا حيث توجّه المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لاستئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، عقب توقيع اتفاق إطاري يهدف إلى إنهاء الصراعات في المنطقة.
ورغم إلغاء جولة سابقة كانت مقررة يوم الجمعة (19 حزيران/يونيو 2026) لترسيخ التفاهم، يواصل الطرفان العمل للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا، بمشاركة مسؤولين من الجانبين، لوضع حد دائم للحرب التي اندلعت إثر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
غير أن هذا المسار السياسي يخفي خلفه شبكة مصالح معقدة، يتصدرها الحرس الثوري الإيراني، الذي قد يتحول إلى أبرز الرابحين من أي انفراج اقتصادي محتمل.
مفارقة الاتفاق: تعزيز خصم مُصنّف" إرهابيًا"تتضمن الخطوط العريضة للاتفاق مفارقة لافتة، إذ إن الحوافز الاقتصادية التي تُقدَّم لإيران قد تعزز قوة تُصنّفها الولايات المتحدة وحلفاؤها منظمة إرهابية، وهي الحرس الثوري.
ومع اقتراب رفع العقوبات وعودة الاستثمارات، تبدو هذه المؤسسة العسكرية-الاقتصادية في موقع يسمح لها بقطف ثمار الانفتاح، رغم كونها أحد أبرز أهداف السياسات العقابية الغربية.
إمبراطورية اقتصادية عابرة للقطاعاتعلى مدى عقود، بنى الحرس الثوري إمبراطورية اقتصادية ضخمة مستفيدًا من العقوبات، حيث توسعت أنشطته لتشمل النفط والبناء والشحن والاتصالات والموانئ.
ووفق مصادر إيرانية رفيعة، فإن" الحرس الثوري الإسلامي في وضع فريد يتيح له الحصول على حصة كبيرة من أي مكاسب مالية"، سواء من رفع العقوبات أو عودة صادرات النفط أو تدفق الاستثمارات الأجنبية.
كما يشرف الذراع الهندسي للحرس، شركة" خاتم الأنبياء"، على مئات الشركات العاملة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، إضافة إلى الاتصالات وصناعة السيارات والسياحة والخدمات اللوجستية، ما يجعله لاعبًا محوريًا في الاقتصاد الإيراني.
نفوذ سياسي متصاعد بعد الحربتأسس الحرس الثوري على يد آية الله روح الله الخميني، وازداد نفوذه في عهد علي خامنئي، جامعًا بين القوة العسكرية والتأثير السياسي.
وبحسب رويترز، فقد عزز الحرس نفوذه داخليًا بعد الحرب التي بدأت في 28 فبراير/ شباط الماضي، حتى إنه" ساعد في تنصيب مجتبى خامنئي زعيمًا أعلى جديدًا"، ما يعكس دوره في إعادة تشكيل مراكز السلطة داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أبدى الحرس تأييده لاتفاق إنهاء الحرب، وهو موقف يعكس حسابات براغماتية ترتبط بالمكاسب الاقتصادية المتوقعة.
" الفائز الحقيقي في الحرب"وصف مصدر إيراني كبير الحرس الثوري بأنه" الفائز الحقيقي في الحرب"، موضحًا أنه" بعد أن ضمن بقاء النظام الإسلامي في إيران، أصبح في أفضل وضع للاستفادة من أي رفع للعقوبات".
وأشار المصدر، بحسب رويترز، إلى أن الحرس كان يدير بالفعل معظم عمليات الالتفاف على العقوبات خلال العقود الماضية، ما يمنحه خبرة وشبكات جاهزة للاستفادة من أي تخفيف للقيود.
ورفض متحدث باسم الحرس الثوري التعليق لرويترز على هذه الأقوال.
وسيسمح الاتفاق المؤقت، الذي أُعلن عنه في الأسبوع الماضي، بإعفاءات على مبيعات النفط الخاضعة للعقوبات، في حين أن أي اتفاق أكثر شمولا يتم التوصل إليه في الفترة المقبلة قد يرفع جميع العقوبات الأخرى ويمنح إيران إمكانية الوصول إلى صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار.
ولم يرد البيت الأبيض حتى الآن على طلب من رويترز للتعليق.
وقال مصدر كبير آخر إن الحرس الثوري الإيراني لا ينشر البيانات المالية، لكن أي جهود لإحياء الاقتصاد ستوسع نطاق نفوذه المالي الكبير، مشيرا إلى شبكات التجارة الحالية التي تقدر بمليارات الدولارات وأنشطة النفط وعمليات الشحن وأعمال البناء.
ووفقا للبيانات الرسمية والسجلات العامة، يشرف الذراع الهندسي للحرس الثوري الإيراني، شركة" خاتم الأنبياء"، على مئات الشركات التابعة التي تعمل في مشروعات البنية التحتية والطاقة الكبرى، وتشارك في مجالات الاتصالات وصناعة السيارات والسياحة والخدمات اللوجستية، بحسب ما نقلت وكالة رويترز.
تحديات أمام الاتفاق: عقدة" التصنيف الإرهابي"رغم هذه المكاسب المحتملة، قد يشكل الحرس الثوري عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق شامل، بسبب تصنيفه كمنظمة إرهابية.
فالتداخل العميق بين الحرس والاقتصاد الإيراني يجعل من الصعب تحقيق انفتاح اقتصادي دون الاحتكاك المباشر أو غير المباشر به، وهو ما يثير مخاوف قانونية للشركات الأجنبية.
ويفرض قانون الاستثمار الإيراني على الشركات الأجنبية الدخول في شراكات مع شركات محلية، ما يعني عمليًا أن الشركات المرتبطة بالحرس ستكون بوابة إلزامية إلى السوق.
وفي هذا السياق، قال جيريمي بانر، المحقق السابق في وزارة الخزانة الأمريكية: " الحرس الثوري الإيراني هو الكيان الذي يتحكم في جميع خيوط قطاع النفط، لذا لا يمكنك تجاهل جميع الآثار القانونية المترتبة على التعامل معهم".
وأضاف: " لا تزال هناك مخاطر قانونية تواجه الشركات الأمريكية بسبب وجود الحرس الثوري الإيراني الكامن في الخلفية"، مشيرًا إلى قانون" العدالة ضد رعاة الإرهاب"، الذي تم إقراره في عام 2016، والذي يتيح مقاضاة الشركات المتعاونة مع جهات مصنفة إرهابية.
بين العقوبات والالتفاف: خبرة متراكمةوذكرت المصادر الإيرانية الكبيرة لرويترز أنه حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق شامل، سيستمر الحرس في الاستفادة من الإعفاءات المؤقتة لتصدير النفط، ويمكنه مواصلة إحكام قبضته على الاقتصاد من خلال خبرته في التحايل على العقوبات.
وتنقل رويترز عن تلك المصادر تأكيدها بأن العقوبات السابقة ساهمت في تعزيز قوته الاقتصادية، إذ بنى شبكات معقدة للالتفاف على القيود عبر وسطاء وشركات واجهة.
لكن هذه الشبكات واجهت تحديات متزايدة بعد حملة" أقصى الضغوط” التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ 2018، والتي" قلصت مجال التهرب من العقوبات وزادت تكلفة تشغيل الشبكات غير القانونية”، بحسب مصدر إيراني ثالث.
في ظل المفاوضات الجارية، يقف الحرس الثوري الإيراني عند مفترق طرق: فهو من جهة المستفيد الأكبر المحتمل من أي رفع للعقوبات، ومن جهة أخرى أحد أبرز العوائق أمام تحقيق اتفاق شامل بسبب وضعه القانوني والسياسي.
وبين هذين الدورين، سيظل الحرس لاعبًا حاسمًا في تحديد مستقبل الاقتصاد الإيراني ومسار السلام في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك