بمناسبة توقيع" مذكرة التفاهم"، يعتقد كثير من الناس ذوي الضمير الحي والمحبين للسلام أن هذا التفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يكون بوابةُ للسلام دائم في الشرق الأوسط، ويأملون ألا تشهد المنطقة المزيد من الحروب.
وهنا، أود أن أذكر أحد عشرات التصريحات التي صدرت في هذا الشأن، وهي كلمات قداسة البابا، لاون الرابع: " آمل أن يكون الاتفاق حلاً حقيقياً للحرب، وأن تكون الحرب قد انتهت فعلاً، وأن نتمكن من المضي قدماً".
مع ذلك، فإن كل من يتابع الأحداث والاضطرابات في إسرائيل التي أعقبت مذكرة التفاهم يدرك تماماً أن إسرائيل لن توقف حروبها، بل ستستغل الهدنة فرصة لتعزيز جيشها بمزيد من المعدات الأمريكية الفتاكة.
لا ترغب الولايات المتحدة في حلٍّ للقضية الفلسطينية لا تقبله إسرائيل؛ وهي غير مستعدة للضغط عليها تحت أي ظرف.
إنها تريد بقاء إسرائيل، ولذلك نراها تدافع عنها كما لو كانت تدافع عن عاصمتها واشنطن.
جميعنا نتذكر تصريح الرئيس السابق بايدن: " لو لم تكن إسرائيل موجودة، لاخترعناها".
تمثل إسرائيل قاعدة عسكرية متنقلة للولايات المتحدة، والتي يمكنها نقلها متى وأينما تشاء.
لن يشهد الشرق الأوسط السلام والاستقرار ما دام الورم السرطاني الذي تمثله إسرائيل قائماً.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، شهدنا كيف أن إسرائيل قتلت 75 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، وقطعت المياه والدواء عن سكان غزة.
خططت لتهجير من تبقى من سكان غزة، ربما إلى صحراء سيناء، لكن المقاومة الباسلة أحبطت هذه المحاولة.
دمرت المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس.
فعلت بسكان غزة ما لم يفعله هتلر في البلدان التي احتلها خلال الحرب العالمية الثانية.
قتلت 10 آلاف فلسطيني في الضفة الغربية، وهجرت آلافاً آخرين إلى الأردن.
هاجمت لبنان، فقتلت أكثر من 5 آلاف لبناني وجرحت الآلاف.
هدمت معظم المنازل في جنوب لبنان، تاركة السكان بلا مأوى.
وأخيراً هاجمت إيران مرتين، الأولى لمدة اثني عشر يوماً (13 يونيو 2025-24 يونيو 2025).
والثانية لمدة أربعين يوماً (28.
2.
2026-8.
4.
2026) فقتلت 15 آلاف مدني إيراني وجرحت الآلاف.
هذه الدولة الصهيونية، التي أسسها أوروبيون في فلسطين، لا تكتفي بالأرض التي استولت عليها عامي 1948 و1967، بل تطمع دائماً بالمزيد.
عقيدتها قائمة على التوسع، وكل هدنة عندها هي استراحة محارب لإعادة ترتيب السلاح، وكل اتفاق سلام هو مجرد حبر على ورق ما دام ميزان القوة مختل.
لا خير في الكيان الصهيوني، ونتوقع استمرار الحروب إلى ما لا نهاية.
فالحرب هنا ليست نزاع حدود، بل صراع وجود.
شعب فلسطين يريد أن يعيش على أرضه، وكيان الصهيوني يرفض الاعتراف بوجوده أصلاً.
والتاريخ يعلمنا أن الظلم إذا طال أمده، فلابد أن ينفجر بركان الغضب.
الحل الوحيد لوقف الصهاينة من شن المزيد من الحروب هو منح الفلسطينيين حقوقهم في أرضهم.
لقد قبلوا ببنود اتفاقيات أوسلو، حل الدولتين: دولة فلسطينية ودولة صهيونية.
قدموا التنازلات، ومدوا أيديهم للسلام، لكن المقابل كان مزيداً من الاستيطان ومزيداً من القتل.
المشكلة كما أراها، ليست إسرائيل، بل الولايات المتحدة الأمريكية.
تلك التي تدعي أنها حامية الحرية وحرية التعبير، وتدعم حقوق الإنسان، ومع ذلك فهي في الوقت نفسه تدعم مالياً وعسكرياً دعاة الحرب في إسرائيل.
ترسل الطائرات والصواريخ والقنابل، ثم تتحدث عن" حق الدفاع عن النفس".
أي دفاع هذا الذي يستهدف أطفالاً نيام في خيام؟أسأل أصدقاءنا الأمريكيين: ألا يتمتع الفلسطينيون بأي حقوق إنسانية؟ هل نظر مسؤولوكم منذ عام 1948، إلى الفلسطينيين على أنهم حيوانات، كما تفعل إسرائيل؟ متى كانت كرامة الإنسان مشروطة بجواز سفر أو بلون عين؟ متى صار حق الحياة يُمنح ويُمنع بقرار من البيت الأبيض؟إن صمت العالم اليوم على هذه المجازر، هو وصمة عار ستلاحق ضمير البشرية قروناً قادمة.
والتاريخ لا يرحم المتواطئين.
سيأتي يوم وتًسأل فيه كل دولة، وكل زعيم: أين كنتم حين كانت غزة تُباد؟ وماذا قدمت للحق غير بيانات الشجب؟إن التوقيع على" مذكرة التفاهم" لا ينبغي أن يكون تخديراً لوعي الشعوب، أو غطاءً تُمرر من تحته صفقات السلاح الفتاك للكيان الغاصب، بل يجب أن يكون صرخة لإيقاظ الضمير العالمي الميت.
فالسلام الحقيقي لا يصنع في الغرف المغلقة بوعود واهية، وإنما يبدأ بإنهاء الحصار الجائر عن غزة ومحاسبة مجرمي الحرب على فظائعهم، ورفع اليد الأمريكية الثقيلة عن القرار الدولي الذي طالما ارتهن لإرادة الطغيان والعدوان.
وفي النهاية، لتعلم أمريكا وحليفتها إسرائيل أن إرادة الشعوب الحرة لا تموت بالقنابل، ولا تمحى بالاتفاقيات الصورية.
ستبقى الأرض لأصحابها الشرعيين، وسيزول هذا" الورم السرطاني" طال الزمان أم قصر، لأن دماء الأطفال والنساء التي روت أرض فلسطين ولبنان وإيران ليست مجرد أرقام في سجلات الحروب، بل هي وقود لثورة مستمرة لن تنطفئ نيرانها حتى يعود الحق كاملاً، وتشرق شمس الحرية فوق القدس الشريف.
السؤال الذي يتبادر إلى أذهان الجميع هو ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيلتزم بالتعهدات التي قطعها في المذكرة أم أنه سيتجاهلها كالمعتاد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك