صاحب انتقال بعض الأطباء بين المرافق الصحية مؤخرا ضجيج لافت يشبه صفقات الأندية الرياضية، والمريض والمراجع يتفرج.
حيث امتلأت منصات التواصل بإعلانات ومواعيد وحملات ترويجية مكثفة، ولو أن شخصا غريبا اطلع على هذا المشهد لظن أننا أمام سوق تجاري مفتوح يتنافس فيه الجميع على اقتناص العملاء، متناسين أن مهنة الطب تنسج من الرحمة!والمؤسف هو انجرار بعض الأطباء خلف هذا الابتذال الترويجي، والسماح لأنفسهم بأن يكونوا جزءا من مشهد يغذيه الجشع الشديد.
فالطبيب الذي أمضى سنوات طويلة في الدراسة واكتسب ثقة الناس بكفاءته لا يحتاج إلى حملات ممولة ليعلن انتقاله، فالطبيب الناجح يتبعه مرضاه دائما بفضل رصيده الإنساني والاخلاقي، واللهاث خلف بريق المنشورات المأجورة لا يعكس سوى محاولة بائسة لتحويل أوجاع البشر إلى أرقام وأرباح، وهو سلوك يفرغ الرسالة الطبية من قيمتها ونبلها عندما يرى الطبيب الجشع في مريضه مجرد غنيمة وجائزة يجب الفوز بها.
هذا التجاوز الفج جعل تدخل" وزارة الصحة" يأتي في وقته تماما لضبط المحتوى وحماية المجتمع؛ فالوزارة لم تعترض على حق التنقل أو عدالة المنافسة الاستثمارية، إنما كانت تحركاتها الأخيرة لحماية هيبة القطاع الصحي من الانزلاق إلى مستنقع المنافسة غير الشريفة، ويعد هذا التوجه امتدادا لنهج تنظيمي حازم عرفناه منذ أكثر من 25 عاماً عندما تدخلت الوزارة لضبط فوضى الإعلانات الطبية في الصحف الورقية، واليوم يتطور هذا الدور الرقابي طبيعيا لينتقل إلى فضاء الإعلام الجديد والشاشات الرقمية لإيقاف الرسائل التسويقية غير المنضبطة.
إن الحقيقة الثابتة التي يجب أن يستوعبها تجار الأوجاع هي أن المريض يملك اليوم وعيا ناضجا يجعله يفرق بوضوح بين الطبيب الذي يصنع اسمه في غرف العمليات والطبيب الذي تصنعه الحملات الإعلانية المبالغ فيها، فالمواطن عندما يبحث عن طبيب لا يبحث عن إعلان جذاب بقدر بحثه عن علم وخبرة وثقة وقبل كل ذلك الأمانة والأمان، فالتنافس الحقيقي بين المنشآت يجب أن يرتكز على جودة الرعاية والمسؤولية المهنية؛ لأن المريض في النهاية ليس صفقة تجارية يتنازع عليها المتنافسون، إنما هي أمانة مقدسة ستبقى فوق كل المصالح والأرباح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك