»» متلازمة “الاحتيال” تخفي ألم الجهل “لحظة”، وتترك وراءها أمراضاً مزمنة لـ”سنوات” طويلةإن متلازمة الاحتيال أو”الغش“بمعناه العام والخاص نقيصة إنسانية وخيانة للأمانة والنفس والوطن، ومرض عضال وثقافة نفعية تنضوي علي خلال ومعان “مهينة”، من بينها الخداع والكذب والاحتيال وانعدام الثقة بالنفس، وجميعها لا تليق بمن كرمه الله بالحكمة والعقل والضمير.
ومع انطلاق موسم الامتحانات بالمدراس والجامعات وقبل ساعات قليلة من انطلاق ماراثون الثانوية العامة باعتبارها محطة “مفصلية” يتوق أبناء أرض الكنانة الشرفاء لوضع قواعد وضمانة آليات تضمن الشفافية والنزاهة تمنع عمليات “الغش” في الامتحانات التي تؤهل مقترفي هذا الجريمة النكراء للحصول علي نسبة نجاح مرتفعة تؤهل أصحابها لكليات القمة بدون وجه حق علي حساب زملاء آخرين لهم لا يعرفون إلا لغة الجهد والكد والسهر لتحقيق الأهداف وبلوغ الغايات بطريق مشروعة وشريفة.
وقد كرست وزارة التعليم جهودها عبر مختلف مديريات التربية والتعليم، وأنهت الاستعدادات الخاصة باستقبال امتحانات الثانوية العامة، ورفعت درجة الاستعداد القصوى بجميع الأجهزة التنفيذية ومديريات الخدمات المعنية، مع تكثيف التنسيق بين الجهات المختصة لضمان انتظام سير الامتحانات وتوفير الأجواء المناسبة للطلاب.
وفي السياق شددت الوزارة علي ضرورة تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، الالتزام الكامل بالضوابط المنظمة لأعمال الامتحانات، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان الانضباط داخل اللجان، مع منع أي محاولات للغش أو اصطحاب الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية داخل اللجان، والتأكد من جاهزية مقار الامتحانات وتوفير بيئة آمنة وهادئة للطلاب والملاحظين.
وقبل التعليمات والقوانين واللوائح المنظمة لسير الامتحانات وشفافيتها تبقي فكرة غرس القيم التربوبة لدي الأسر المصرية هي الضامن الأول لإنجاز لتلك المحطات التعليمية وتجاوزها باستحقاق وموضوعية، دون اللجوء لطرق غير مشروعة عبر محاولات غش أو ترقب تسريب بعض أسئلة الامتحانات عبر المنصات التعليمية المشبوهة وغيرها.
والحق يقال أن هناك فئة محدودة من الأسر المصرية لا يعجبها هذه القواعد الأخلاقية وتلك القوانين المنظمة، وتشارك في هذا الجريمة ـ بقصد وبدون قصد ـ بلا وعي أو إدراك لنتائجها المجتمعية السيئة، وتتفنن في تسهيل عمليات “الغش” عبر طرق ملتوية ومبتكرة، وهو ما رأينا مرددوه السلبي في نتائج العديد من الكليات في مراحلها الأولى وعلي رأسها كليات القمة كالطب والهندسة والإعلام وغيرها.
وبمرارة العلقم في الحلقوم، تابع ملايين المصريين عبر منصات التواصل الاجتماعي مشهد اعتداء عدد من اولياء الامور على معلمة، وولية أمر تلميذه أعلنت ابنتها رفض تسهيل عملية “الغش” فى امتحانات الشهادة الإعدادية بإحدى المحافظات.
وهي ظاهرة شاذة قد تكون فردية، لكن الواقعة جرس إنذار خطير، وسلوك همجي مرفوض تمامًا.
المشهد المؤلم يضاف لمشاهد غير “مشرفة” لمؤيدي فكرة “الغش”، وجرس إنذار صادم، ويطرح العشرات من علامات الاستفهام حول ما هو قادم، كما يلقي بحجر في بحيرة من الماء “الآسن” ويكشف عن خلل كبير في القيم وتراجع دور الأسرة المصرية المنوط بها التربية والاعداد والغرس الإيجابي وترسيخ ثقافة الاجتهاد والمثابرة كأهم مرتكزات بناء جيل قادر على تحمل المسؤولية وصناعة الكفاءات والجدارات التي تؤهل أربابها كي يكونوا مواطنين نافعين لأهلهم ووطنهم.
كما أثار الجدل حول قضية احترام “المعلم” ومن قبله قدسية العملية التعليمية، وإتاحة تشريعات وتوفير آليات رادعة لكل من تسول نفسه الاعتداء على معلم داخل أو خارج الحرم المدرسي، بما يعنيه من رمزية ودلالات لأحدي مؤسسات البناء المعنوي والمعرفي والتربوي.
ومما يدعونا للاسف أن بعض الأسر تتحامل كثير علي المدرسة والمعلم، وترفع احيانا شعار ” نحن واولادنا على المعلم المحترم”.
فكيف لمؤسسة التربية الأولي أن تسهم بلا وعي في هدم وتدمير مؤسسة تعليمية أخري، دون إدراك لطبيعية الدور التربوي والمسؤولية المشتركة!
الغش كالدواء المسكن المؤقت يخفي ألم الجهل لحظة، لكنه يترك وراءه أمراضاً مزمنة في عقل الطالب ومجتمعه كله، وهو خيانة للنفس قبل أن يكون خيانة للورقة.
ـ قتل العقل وتدمير الكفاءة فالعقل كالعضلة، يقوى بالتمرين.
والغش يلغي التدريب، فالطالب الذي يغش لا يتعلم كيف يفكر، أو يحلل، أو يربط المعلومات.
فيتخرج بشهادة قوية وعقل ضعيف، فيصدم بسوق العمل الذي لا يقبل “ورقاً مزوراً”.
النجاح بالغش نجاح مزيف، فيبقى الطالب داخله يردد: “أنا لست أهلاً لهذا”، فيعيش بمتلازمة “المحتال”، الذي يخاف أن يُكشف، ويخاف من أي اختبار حقيقي في الحياة، فيصبح جباناً أمام التحديات.
ـ الموت الأخلاقي التدريجي: الغش أول خطوة في سلم الانحراف، ومن يهون عليه أن يكذب على معلمه، سيهون عليه أن يكذب على الناس جميعا، أو يزور تقريرا، أو يرتشي في وظيفته، فالغش يميت الضمير “خلية خلية”، وبصفة متدرجة!ـ محق البركة: قال المصطفى ﷺ: “من غشنا فليس منا”، ومن خرج من أمة محمد ﷺ، ضاعت بركة علمه وعمله وماله، فيجتهد كثيراً ولا يرى ثمرة، لأن الأساس كان خاطئاً.
*ثانياً: الآثار على المجتمعـ شهادات بلا كفاءات: ماذا لو كان طبيبك ناجحاً بالغش؟ أو المهندس الذي بنى بيتك؟ أو المحامي الذي يدافع عنك؟ الغش يحوّل المجتمع إلى “ديكور” جميل من الخارج، لكنه آيل للسقوط من الداخل.
ـ ظلم المتفوقين وقتل “الهمة”: حين يتساوى المجتهد الذي سهر الليالي مع الغاش الذي نام وغش، يُقتل معنى الجهد.
فيقول المجتهد: “لماذا أتعب نفسي؟ ” فتختفي القدوة وتسود ثقافة “الفهلوة”.
الامتحان أمانة، والمعلم مؤتمن، والطالب مؤتمن على ورقته، فإذا خانت الأمانة في الصغار، فكيف نأمنهم على الكبار؟ الغش في القاعة هو تدريب عملي على الفساد في المعاملات والمصالح الخاصة والحكومية بعد عدة سنوات.
*ثالثاً: الآثار على الأمة:الأمم تُبنى بالعلم الصادق، لا بالشهادات المزورة، وصدق من قال: “إذا غش الطالب، رسب الوطن”.
*رابعاً: طوق النجاة.
كيف نعالج المشكلة؟العلاج ليس بالمراقبة المشددة فقط، بل بعلاج الأسباب:ـ للطالب: يجب أن تعي وتفهم أن درجتك ليست قيمتك، فالفشل في امتحان أهون من فشل في الحياة، واعلم أن “ما عند الله لا يُنال بمعصيته”.
ابدأ من اليوم، حتى لو فاتك الكثير، خطوة صدق واحدة مع نفسك تفتح لك طريقاً جديداً.
ـ للمعلم وولي الأمر: الضغط على الأبناء لنيل بالدرجات فقط لا يجدي.
امدحوا الجهد لا النتيجة، ازرعوا فيهم أن “رضا الله” أهم من “رضا الناس”، وكونوا قدوة في الأمانة.
ـ للمؤسسة التعليمية: يجب أن تقلل من ثقافة التلقين والحفظ “الببغائي”، والإكثار من أسئلة الفهم والإبداع التي يصعب غشها، كما أن العقوبة يجب أن تربوية، لا انتقامية.
والخلاصة أن الورقة التي تغش فيها اليوم، هي نفسها الورقة التي سيُمتحن بها وطنك غداً، فإما أن تكون سبباً في بنائه، أو سبباً في هدمه.
والقاعدة الذهبية: “النجاح الذي يأتي بالعرق والمثابرة وقوة الإرادة، يدوم.
والنجاح الذي يأتي بسهولة وبغشك، يغشك”!
ولا مبرر لهذه العادة العادة الذميمة وتلك الثقافة “المهينة” مهما تكن الأسباب، سواء ضغط الأهل، أم ضعف المناهج، أم ثقافة “الغاية تبرر الوسيلة” المنتشرة كالنار في الهشيم.
!
إنه ناقوس إنذار قبل أن تتواري قيمة التفوق وتصبح حالة “نادرة”، وقبل أن يصبح التفوق “تهمة” والغش “مهارة”، والاجتهاد فى التحصيل مجرد “ذكرى”!
وفي هذا السياق “المؤسف” أتصور أهمية التوعية بأهمية الاهتمام بعقد برامج دورات تدريبية خاصة عبر مختلف وسائل الإعلام لتعزيز أهمية دور الاسرة والام والاب كحائط سد وقائي في تعزيز الغرس التربوي الإيجابي، وإدراك مدي خطورة التهاون في مثل الأمراض المجتمعية والظواهر اللاقيمية، وتأثيراتها السيئة في البناء والإعداد السلبي لجيل فاقد المسؤولية والرسالة ,وربما “الهوية” والانتماء وقيم العدالة والموضوعية والشفافية.
كما يجب إدراك خطورة الغرس السلبي، باعتبارها كلمة موجعة، لأنها تعني أننا ونحن نظن أننا “نربّي”، قد نكون في الحقيقة نزرع أشواكاً سنحصدها بعد سنين.
البذرة السلبية نزرعها احيانا دون مبالاة والثمرة “المرة” يأتي حصادها بعد 20 سنة، الاطفال أو الصغار بطبيعة الحال كالأرض لا يميز بين بذرة “الورد” وبذرة “الشوك”.
وكل ما يقال لها، تزرعه، وكل ما تراه، تتشربه، ثم تعطيك الثمر على هيئته بعد زمن!
ووفقا للمختصين فإن المقصود بالغرس التربوي السلبي: هو كل سلوك أو كلمة أو موقف متكرر من المربي -أب، أم، معلم- يزرع في نفس الطفل قناعة مشوهة عن نفسه أو عن الدنيا أو عن الناس، وهو أخطر من الضرب، لأن أثره لا يرى بالعين، لكنه يحكم ويتحكم في حياة الإنسان وهو لا يشعر!
“من وافقتْ كلماته أفعالَه نال ثقةَ الناس، ومن وافقتْ أفعالُه ضميرَه نال راحةَ البال؛ فقد يخدعُ الإنسانُ الناسَ زمناً بالمظاهر، لكنه لن يخدعَ ضميرَه لحظة، فهو القاضي الذي لا يُشترى حكمُه ولا يُستأنف عليه، والميزانُ الذي يمنحُ النفسَ سلامَها أو يؤرقُها بحكمِ الحق.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك