عزيزتي مروة، كيف حالك يا رفيقة المَهاجر والمٌهَاجِر، وشريكة وجع الغربة؟ وبعد،فقد قرأتُ يا مروة نصكِ الرائع والبديع الذي ارتضيتِ له أن يكون في هيئة رسالة إلى والدتكِ.
لقد حمل النص في طياته وجع الفراق ومرارة الغربة، فكانت الكلمات تنساب محمّلة بالشوق والحنين وألم البعد الذي لا يعرفه إلا من فارق الأهل والوطن.
لم تكن رسالتكِ يا مروة مجرد حديث عابر بين ابنة وأمها، لكنها كانت اعترافاً صادقاً منكِ بما تتركه الغربة في القلب من فراغات لا يملؤها شيء.
ثم تحدثتِ عن تفاصيل حياتكِ اليومية، وعن أولئك الأطفال الزُغب الذين تلاطفينهم كانك امهم، وعن بعض تفاصيل صداقاتكِ ونجاحاتكِ وأحلامكِ الصغيرة، لكنكِ كنتِ في كل ذلك تبحثين عن حضن الأم الحنون الذي يمنح الأشياء معناها الحقيقي.
وقد لفت انتباهي في رسالتكِ يا مروة، هى أنها لم تقف عند حدود الشكوى من الغربة، بل كشفت بوضوح عن قدرة الإنسان على التمسك بالمحبة رغم المسافات.
لقد أدركتِ أن الفقد يغيّرنا، لكنه لا ينتزع منا القدرة على الحب، وأن الأم تظل الوطن الأول الذي نحمله معنا أينما رحلنا.
كما لاحظتُ يا مروة أنه في ثنايا الرسالة يبرز ذلك الخيط الإنساني الرقيق الذي يربط كل المغتربين بأمهاتهم؛ فالأمهات، كما تقولين، لا يغادرن الذكريات، بل يبقين المنصت الوحيد لحديث القلب وصمته، وللحكايات التي نعجز أحياناً عن روايتها للآخرين.
يا لها من رسالة يا مروة؛ كانت مبللة بالدموع، ومعطرة بالوفاء، ومكتوبة بلغة صادقة بعيدة عن التكلف.
ولهذا تصل إلى القلب مباشرة، لأنها خرجت من قلب يشتاق إلى أمه، ويحمل في داخله وطناً كاملاً كلما اشتد عليه وجع الغربة.
رحم الله الأمهات الراحلات، وحفظ الأمهات الأحياء، وجعل المحبة بين الأبناء وأمهاتهم جسراً لا تقطعه المسافات ولا الغربة.
ابقَي طيبة لغواليكِ، وليتنا نواصل كتابة الرسائل، فهي عزاؤنا الجميل، وصوت أرواحنا حين تعجز الكلمات العابرة عن حمل ما في القلوب.
عزيزي عثمان، سلام يوصلك وأنت طيب،ما أصدق ردك على رسالتي التي توجت بها جبين أمي، وما أعمق كلماتك.
لقد لامست حروفك قلبي قبل أن تصل إلى سمعي، وشعرتُ كيف أنك أدركت تماماً قيمة الرِّباط المقدس بين الابنة وأمها، وكيف يتجلى بكل وضوح في ظروف الغربة.
لقد شعرتُ عند قراءتي لرسالتك بمدى أهمية أن نظل على تواصل في علاقاتنا الإنسانية رغم كل شيء، كما ساهمت كلماتك في ترجمة معنى الغربة الحقيقي، وثقل البعد، ولهفة الشوق، وحرقة الحنين التي توقظ فينا أسمى المشاعر.
وقد لامس حديثك عن ذلك الخيط الإنساني الرفيع الذي يمتد عبر المسافات، ويبقينا قادرين على التمسك بالمحبة بكل قوة، عمق الإحساس رغم كل فراغ يخلفه البعد، ورغم كل فجوة تخلقها الغربة في النفس.
صحيح تماماً كما ذكرت؛ فرغم مرارة الفقد، وثقل الوحدة، وبعد الأوطان، وحرقة الاشتياق، إلا أن الغربة لا تمنحنا الألم فقط، بل تعلمنا الكثير وتكشف لنا حقائق لم نكن ندركها.
فمن خلالها نعي المعنى الحقيقي لقيمة الأم، ونشعر بعمق الروابط التي لا تهتز، ولا تمحوها الأيام، ولا تقطعها المسافات.
كم أنا سعيدة وممتنة لأن رسالتي وجدت طريقها إلى وجدانك، وأنك استطعت أن تقرأ ما وراء الكلمات من شوق وحنين؛ ذاك الحنين الذي يسكن أعماقنا ويربطنا بكل ذكرى جميلة، ويجعل من حنان الأم ملاذاً دائماً نعود إليه كلما ضاقت بنا المسافات واشتد بنا الشوق.
شكراً لك من القلب على هذا الرد الراقي، الذي جاء كمرآة صافية تعكس روحاً نقية وقلباً يدرك أعمق المعاني.
دمت بخير، وفي أمان من كل وجع، ومن مرارة الغربة وبعد الديار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك