عمان- تتناول رواية" العتبة" للروائية والمؤرخة الدكتورة هند أبو الشعر سردًا روائيًا ممتدًا عبر أجيال متعددة من أسرة واحدة، حيث تمزج بين التوثيق التاريخي والحسّ الأدبي في استعادة تحولات المكان والإنسان في القدس وتل الحصن وعمّان.
اضافة اعلانوتبني الرواية الصادرة عن دار" الآن ناشرون وموزعون"، عوالمها عبر شخصيات رئيسة تمتد من الجدّ المؤسس" عقيل"، وصولًا إلى الأحفاد، مرورًا بـ" نجيب"، الذي يشكل محورًا سرديًا يكشف تداخل الخاص بالعائلي مع العام السياسي والاجتماعي في مرحلة الانتداب البريطاني وبدايات تشكل الدولة في شرق الأردن.
وتكشف الرواية، من خلال تعدد أصواتها وسردياتها، عن حياة يومية ثرية بالتفاصيل الثقافية والاجتماعية، وتبرز التنوع الإنساني في القدس وعمّان عبر شخصيات عربية وأرمنية وشركسية أسهمت في تشكيل نسيج المكان.
كما تتناول قضايا المنفى والحنين والهوية، وتستعيد مشاهد التحول التاريخي الكبرى، من أواخر العهد العثماني مرورًا بالانتداب البريطاني وصولًا إلى نكبة 1948.
تفتتح الرواية بعنوان فرعي هو" وداعًا أيتها العتبة! "، حيث تستعيد الكاتبة مشهد عودتها بعد سنوات طويلة إلى المكان الأول.
تقف أمام البوابة الكبيرة المغلقة بالمسامير، فيما تتماوج ظلال الشجرة التي ما تزال تحرس العتبة مع ريح الشمال.
ولا يُسمع في المكان صوت العصافير التي هاجرت منذ زمن بعيد، وكأنها ودّعت أهل العتبة الذين غادروها واحدًا تلو الآخر، محمولين على الأكتاف نحو الشمال حيث المقبرة.
ولم يبقَ سوى شجرة السنديان العتيقة تحرس المكان.
تلتقط الكاتبة صورًا للعتبة والبوابة بهاتفها، ثم تنحدر بصمت نحو طريق البركة الرومانية الجافة، بينما يتردد في داخلها صدى أنفاس البيت الذي يلاحقها، مع مساء تشريني يهبط من البعيد.
وفي مدخل بعنوان" الملاذ"، تعود الروائية إلى بيت الجدّ المهجور بعد سنوات من الحنين والخوف من مواجهة الذكريات.
تقف الراوية أمام البوابة المغلقة بالمسامير، وتتأمل المكان الذي كان يعجّ بالحياة والأهل، مستحضرة صور الراحلين الذين غادروا البيت واحدًا تلو الآخر، حتى لم يبقَ سوى الشجرة بعد رحيل العصافير وأصحاب الدار.
وتشير إلى أنه أثناء وجودها أمام البيت، تصل امرأة من القرية وتسأل عن هويتها.
تخبرها الراوية أن البيت يعود لجدّها سليم، إلا أن المرأة تنكر معرفتها بها وتؤكد أن المنزل مهجور وأن مفتاحه بحوزتها.
تطلب الراوية المفتاح للدخول إلى بيت العائلة، لكن المرأة ترفض لأنها لا تعرفها.
يثير هذا الرفض غضبها وحزنها، فتغرق في ذكريات جدّتها والمفتاح الكبير الذي كان رمزًا للبيت والعائلة.
وتشعر بمرارة شديدة لأن شخصًا غريبًا بات يتحكم في دخولها إلى بيت أجدادها، بينما أصبحت هي نفسها غريبة عنه رغم عمق انتمائها إليه.
ثم تعود إلى دارٍ قديمة مهجورة تعود للعائلة، حيث تواجه شعورًا بالغربة والخوف مع استحضار ذكريات الأجداد الذين غابوا.
ويثير المكان الموحش إحساسًا عميقًا بالوحدة، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب الذاكرة والارتباط العاطفي بالماضي.
وتسترجع ذكريات الطفولة في" الحاكورة"، حيث تجارب الزراعة وأسرار الطفولة مع العمّة، وقصص الأم التي كانت ترويها بأسلوب مسرحي مؤثر، ولا سيما قصة" الأرنب الذكي" التي كانت تجمع الأطفال حولها وتملؤهم بالضحك والدفء.
وتوضح أبو الشعر أن الراوي يعيش حالة من التوتر والخوف أثناء مغادرته المكان ليلًا في أجواء خريفية، حيث يتحول صوت خطواته إلى صدى مخيف يوحي وكأن هناك من يلاحقه، بما يعكس قلقًا داخليًا أكثر من كونه مطاردة حقيقية.
ويشتد الإحساس بالضغط النفسي مع تخيلات لأشخاص يركضون خلفه ويملؤون المكان، بينما يهرع نحو سيارته التي تبدو بعيدة وصعبة المنال.
وعند وصوله إليها، يرى امرأة تقف في الشرفة تراقبه بوجه غامض، ما يعمّق شعوره بالغربة والرهبة.
يركّز الفصل الأول من الرواية على شخصية" عقيل"، الجدّ الأكبر للأسرة، بوصفه فتىً موسيقيًا موهوبًا نشأ على عزف الكمنجة في بلدة الحصن، قبل أن تُفتح أمامه أبواب مدرسة اللاتين في القدس، ثم يواصل مسيرته نحو الكهنوت والدراسة في روما.
وتتبع الرواية، بأسلوب روائي دقيق، تفاصيل الحياة اليومية في مضافة البيت الكبير؛ من استقبال عسكر الدولة العثمانية وما فرضوه من مصادرة للمحاصيل والإعانات الحربية، إلى وصول جماعات من اللاجئين الأرمن إلى تل الحصن هربًا من المذابح، وما تركته قصصهم - في مقدمتها حكاية" أراكسي"، وشقيقها" نيشان" - من أثر عميق في وجدان" عقيل"، دفعه لاحقًا إلى كتابة روايته الأولى" الفتاة الأرمنية في قصر يلديز".
وتكشف الرواية عن بعدها التوثيقي في تتبع تطور الفكر السياسي والثقافي لهذه الشخصية التي تبدو أقرب إلى الواقع بكل تفاصيلها؛ من رفضها سلك الكهنوت، وانطلاقها نحو عالم الصحافة والرواية والموسيقا، إلى رحلتها القسرية إلى أوروبا هربًا من التجنيد العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، في مشاهد وداع مؤثرة من يافا وحيفا، تمتزج فيها مشاعر الحنين إلى الأرض مع الانفتاح على عالم جديد من الحرية والكتابة.
ابن الحصن.
المحامي العنيد بين القدس وعمّانحيث ينتقل السرد في الفصل الثاني - وهو الأطول والأكثر ثراءً في الرواية - إلى" نجيب"، ابن الجيل الثاني من الأسرة، المعروف بـ" ابن الحصن"، الذي تلقى تعليمه في مدارس القدس (مدرسة الفرير ثم معهد الحقوق).
وتتحول القدس في هذا الجزء إلى مدينة نابضة بكل تفاصيلها: أسواقها، حاراتها، وكنائسها، وشخصياتها المتنوعة التي تُثري نسيج العمل الروائي.
ومن أبرز هذه الشخصيات عائلة" أم سركيس"، الأرمنية في حارة الأرمن بالقدس القديمة، التي تقدم للرواية لوحة إنسانية وثقافية غنية عن تنوع المدينة، من خلال علاقة" نجيب" وشقيقه" أمين" بهذه العائلة، وما يرتبط بها من أطباق وتقاليد وطقوس يومية.
وفي عمّان، تحضر شخصية الشركسي" سعيد باكير"، وشقيقته" أم كريمان" وابنتها" كريمان"، وابنه" نارت"، الذين رافقوا" نجيب"، في مرحلة استقراره في المدينة، وقدّموا للرواية حضورًا حيًّا ينقل القارئ إلى عالم الجالية الشركسية بعاداتها وفنونها، وفي مقدمتها" الفنطزية الشركسية"، التي تصفها الرواية بتفاصيل بصرية وحسية لافتة.
وتتجسد الشخصية المحورية لـ" نجيب" - المحامي العنيد- في مسارين متلازمين: الأول يتمثل في مناهضته لسلطة الانتداب البريطاني في فلسطين، وتحديدًا في القدس، حيث درس الحقوق في معهد أنشأه الانتداب نفسه، ثم استخدم أدواته القانونية في مواجهته، معلنًا منذ مراحل تكوينه الفكري رفضه للسياسة البريطانية الداعمة للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
أما المسار الثاني فيتمثل في مشاركته في بناء الدولة الناشئة في إمارة شرق الأردن، من خلال انتخابه عضوًا في أول مجلس تشريعي أردني ممثلًا عن قضاء عجلون، وخوضه نضالًا قانونيًا وسياسيًا داخل أروقة المجلس، قبل أن يفقد عضويته بقرار من رئاسة الحكومة بحجة حمله الجنسية الفلسطينية، وما أعقب ذلك من معارك قانونية وصحفية خاضها دفاعًا عن موقفه.
وتشير الكاتبة إلى أن هذا الخط السردي اعتمد على الصحافة الرسمية والأهلية لتلك المرحلة، وفي مقدمتها جريدة" الشرق العربي"، التي شكلت مرجعًا وثائقيًا لوقائع تأسيس المجلس التشريعي الأول وأسماء أعضائه ومناطقهم الانتخابية، بما يؤكد أن شخصية" نجيب" تستند إلى نموذج واقعي من رجالات تلك المرحلة.
ويختتم هذا الفصل برحلة" نجيب"، مع اشتعال أحداث فلسطين عام 1948، حين عمل قنصلًا للأردن في القدس تحت القصف، ثم اضطر إلى الانسحاب نحو عمّان مع تدفق موجات اللاجئين الفلسطينيين عبر جسر النهر.
ويستعيد نشاطه في المحاماة لاحقًا، قبل أن ينضم إلى مجلس الأعيان، فيما يختتم الفصل بمشهد درامي مفتوح يربط بين الماضي والحاضر.
وفي خاتمة الفصل الثالث والأخير، تنتقل الرواية إلى صوت" الكاتبة"، نفسها، طفلةً تستعيد ذكرى ليلة مفصلية في بيت الجد بالحصن، تتداخل فيها مشاعر الخوف والفقدان والولادة في آن واحد، ضمن مشاهد رمزية كثيفة تشمل فرس الجد" الصقلاوية"، وكلبه" خطّار"، والبئر والخان والمضافة.
وتغلق الرواية دائرتها بالعودة إلى" العتبة"، التي افتتحت بها، في مشهد ختامي يجمع بين الحنين والوداع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك