في غزة، لا تنتهي المأساة عند فقدان الأحبة، فهناك من يعيش طويلا على وقع الغياب، ينتظر دوره في اللحاق بمن رحلوا، بعد أن سلبته الحرب كل ما يملك، وبين آلاف القصص التي خلفتها الحرب المستمرة على القطاع، تبرز حكاية الفلسطيني محمد الفرا، الذي لم يكن يعلم أن صباحه الأخير سيكون موعدا مع أسرته التي سبقته إلى الشهادة.
خلال الأيام القليلة الماضية، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منطقة مواصي خان يونس جنوب غزة، في قصف جديد أضاف أسماء أخرى إلى قائمة الضحايا المتزايدة يوما بعد يوم، وبين الشهداء كان محمد الفرا، الذي ارتقى بعدما أنهكت الحرب قلبه وأفرغت حياته من أقرب الناس إليه.
ومع صباح استشهاده، تحول مشهد الوداع إلى صورة تختصر جانبا من المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، جثمان محمد يُحمل على الأكتاف، بينما تتردد بين المشيعين كلمات الحزن والدعاء، في وداع شاب لم يكن ينتظر من الدنيا سوى أن تنتهي الحرب أو أن يلتقي عائلته التي فقدها.
لم يكن محمد شهيدا وحسب، بل كان أحد الناجين من فاجعة أكبر عاش تفاصيلها خلال شهور الحرب، فقد سبقه إلى الشهادة والده ووالدته وإخوته الذين استشهدوا في قصف إسرائيلي سابق خلال حرب الإبادة المستمرة على غزة، ومنذ ذلك اليوم، وجد نفسه وحيدا في مواجهة الحياة، يحمل ذكريات منزل امتلأ يوما بالأصوات والضحكات قبل أن يتحول إلى ذكرى مؤلمة.
تغيرت ملامحه كثيرا بعد رحيل أسرته، لم يعد ذلك الشاب الذي يخطط لمستقبله أو يتحدث عن أحلامه، بل أصبح يعيش على ذكريات من فقدهم، يستعيد وجوههم في كل مكان، ويزور ما تبقى من آثار منزلهم كلما سنحت له الفرصة، وكأن قلبه ظل معلقا عند اللحظة التي فقد فيها عائلته بأكملها.
ومع كل قصف جديد، كان محمد يدرك أن الحرب لا تكتفي بأخذ الأرواح، بل تترك خلفها بشرا يحملون أوجاعا تفوق قدرتهم على الاحتمال، عاش شهورا طويلة وهو يفتقد حضن والدته، ونصائح والده، وضحكات إخوته، محاولا التعايش مع فراغ هائل لا يمكن للكلمات أن تصفه.
الحرب التي خطفت عائلته لم تترك له فرصة طويلة لمواصلة هذا الألم، ففي قصف استهدف مواصي خان يونس، المنطقة التي لجأ إليها آلاف الفلسطينيين بحثا عن الأمان، انتهت رحلة محمد هو الآخر، فلم يعد ذلك الشاب الذي يمشي وحيدا بين الخيام والركام، بل أصبح اسما جديدا في سجل الشهداء، والتحق بأفراد أسرته الذين سبقوه إلى الرحيل.
مشهد وداع محمد كان مختلفا وموجعا في آن واحد، فالكثيرون استحضروا لحظة فقدانه لعائلته، وتساءلوا بحسرة عن حجم الألم الذي عاشه بعد أن أصبح الناجي الوحيد من أسرته، قبل أن تنتهي قصته بالطريقة ذاتها التي انتهت بها قصص أحبائه.
وفي غزة، حيث تتكرر المآسي بوتيرة تكاد تفوق قدرة البشر على الاستيعاب، تبدو قصة محمد الفرا واحدة من مئات القصص التي تختصر حجم الكارثة الإنسانية المستمرة، فهناك عائلات أُبيدت بالكامل، وأطفال فقدوا آباءهم، وآباء يواصلون الحياة بعد رحيل أبنائهم، فيما تتراكم المآسي فوق بعضها بعضًا دون أن تجد فرصة للشفاء.
رحل محمد الفرا، لكن حكايته بقيت شاهدة على حرب لم تكتف بقتل الإنسان مرة واحدة، بل جعلته يعيش الفقد مرارا قبل أن تضع نهاية لحكايته، وبينما وُوري جثمانه الثرى، كان كثيرون يرددون أن الشاب الذي ودع أسرته منذ شهور، لم يعد وحيدا بعد اليوم، فقد لحق بوالده ووالدته وإخوته الذين سبقوه إلى الشهادة، تاركا خلفه قصة موجعة تختصر جانبا من معاناة غزة التي لا تنتهي.
وأعلنت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان صادر عنها في 18 يونيو، بلوغ إجمالي ما وصل إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية شهيدان جديدان و8 إصابات، حيث لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة.
وأضافت أنه منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025، وصل إجمالي عدد الشهداء إلى 1,007، وإجمالي عدد الإصابات 3,165، وإجمالي حالات الانتشال 784، فيما وصلت الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023 إلى 73,018 شهيدا، وعدد الإصابات وصل إلى 173,273.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك