في الدول التي تحترم المال العام، لا تمر القصص الكبرى مرور الكرام، ولا تتحول المشاريع التي كلفت الملايين إلى مجرد خبر ليوم أو يومين ثم تطوى صفحته وكأن شيئا لم يكن، وما كشفه وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور بشأن الاستفادة من المستشفى الميداني المجاور لمستشفى الأمير حمزة، يفتح بابا واسعاً من الأسئلة التي لا يجوز أن تبقى بلا إجابات.
اضافة اعلانالقصة ليست مجرد توسعة لقسم طوارئ أو معالجة للاكتظاظ، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية، كيف بقي مرفق صحي أُنشئ في ظروف استثنائية وكلف خزينة الدولة مبالغ ضخمة خارج دائرة الاستفادة المثلى كل هذه السنوات؟خلال جائحة كورونا، كانت الدولة تتحرك تحت ضغط غير مسبوق، واتخذت قرارات سريعة فرضتها ظروف المرحلة، وهذا مفهوم ومبرر، لكن ما يصعب فهمه هو ما حدث بعد انتهاء الأزمة، لماذا لم توضع خطة واضحة لاستثمار هذه المنشآت الصحية؟ ولماذا بقيت الإمكانات المتاحة معطلة أو محدودة الاستخدام بينما كانت المستشفيات الحكومية تعاني الاكتظاظ ونقص المساحات والضغط المتزايد على خدمات الطوارئ؟المفارقة أن الحل الذي تتحدث عنه الحكومة اليوم يبدو بديهيا إلى درجة تدفع للتساؤل، أين كانت الحكومات السابقة؟ وأين كانت الإدارات المتعاقبة؟ وأين كانت لجان التخطيط والمتابعة والتقييم؟ما تقوم به حكومة جعفر حسان اليوم لا يكشف فقط عن فرصة جديدة لتحسين الخدمات الصحية، بل يكشف أيضا حجم الخلل في آليات المتابعة لدى حكومات وإدارات سابقة، فحين تكتشف حكومة حالية أن هناك منشأة قائمة يمكن أن تسهم في حل أزمة مزمنة، فإن السؤال الطبيعي يصبح، لماذا لم تكتشف هذه الإمكانية منذ سنوات؟الأخطر من ذلك أن الاعتياد على مثل هذه القصص يجعل هدر الفرص أمرا عاديا، فنحن نتحدث عن منشآت ومبان وتجهيزات وكلف تشغيل وصيانة وأموال عامة دفعها الأردنيون من ضرائبهم، ثم نتعامل مع القضية وكأنها تفصيل إداري بسيط لا يستحق الوقوف عنده.
المطلوب اليوم ليس فقط الاستفادة من المستشفى الميداني، فهذا واجب بديهي، بل المطلوب مراجعة شاملة لما جرى، من اتخذ القرارات؟ ومن تابع التنفيذ؟ ومن قيّم جدوى الاستمرار أو التوقف؟ ومن يتحمل مسؤولية بقاء هذه الإمكانات خارج دائرة الاستخدام الأمثل طوال هذه الفترة؟المساءلة ليست انتقاما من أحد، بل حماية للمال العام ومنعا لتكرار الأخطاء، فالدولة التي تسأل عن كل دينار أنفق هي الدولة القادرة على بناء الثقة مع مواطنيها، أما الدولة التي تكتفي بمعالجة المشكلة دون البحث عن أسبابها، فإنها تترك الباب مفتوحاً لتكرارها مستقبلا.
اليوم تستحق الحكومة الإشادة لأنها التفتت إلى ملف كان غائبا عن الأولويات، لكن الإشادة لا تكفي، وما يحتاجه الأردنيون أكثر هو معرفة كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة أصلا، ومن المسؤول عن سنوات ضاعت فيها فرص كان يمكن أن تخفف الضغط عن القطاع الصحي وتوفر على الخزينة أموالا إضافية.
فالمال العام ليس خبرا عابرا، والملايين التي أُنفقت ليست أرقاما في تقارير قديمة، بل أمانة تستحق المراجعة والمحاسبة والشفافية الكاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك