منذ عصر الملاحم حتى الرواية الحديثة، ظل الأدب يلهث خلف الشخصية؛ فمن دونها لا يتشكل زمنٌ ولا تتحرك أحداث.
علماً بأن الشهرة لا تكفي لمنح صك البطولة؛ فليس كل ناجحٍ أهلاً لتحريض الخيال، بل لعل التناقضات العميقة والتحولات الدراماتيكية أكثر ما يغوي الروائيين.
وهي التوليفة التي انصهرت في شخصية الفنانة المصرية سعاد حسني على نحو مدوّخ؛ بين الضحكة الرنانة والشجن المقيم، الصعود إلى القمة والسقوط من حالِق.
من هنا دخلت سعاد عالم الأدب من بوابته الكبرى؛ سواء عبر استلهام سيرتها مباشرة، أو إعادة تخييلها في شخصيات مغايرة الأسماء، تتحرك في أزمنة وأمكنة أخرى، يتلون فيها وجه الساحرة الصغيرة؛ الوجه الشفاف، الرائق، ليعكس أطياف عالمها المتقلب.
اختبرت الروائية العراقية هاديا سعيد مبكراً إمكانات شخصية سعاد على الورق، في روايتها" أرتيست" عام 2006، بعد خمس سنوات فقط من رحيل السندريلا.
ومن عتبة العنوان شرعت لعبة الالتباس؛ فكلمة" أرتيست"، التي شاعت في مصر وبلاد الشام لوصف المغنيات والاستعراضيات، لا تحيل -كغيرها من المهن- إلى مجرد وظيفة، بل إلى عالم كامل من الدلالات الملتبسة التي أحاطت طويلاً بالمرأة العاملة في الفن.
وهذا الالتباس تحديداً هو ما توظفه هاديا لبث الإثارة في عالمها الروائي.
الرواية لا تقترب من سعاد حسني مباشرة، بل تحوم حولها.
فبطلتها" سلمى حسن" تحتفظ بكثير من ملامح السندريلا؛ الطفولة الصعبة، والبدايات الفنية المبكرة، والصعود إلى النجومية، وصولاً إلى الأخت المطربة وما جرى بينهما من تفاوض، والنهاية الغامضة.
لكن تغيير الوقائع والأماكن والعلاقات، يجعل القارئ متردداً كبندول الساعة بين الشك واليقين.
سعاد عند هاديا سعيد لغز أنثوي وعند نجم والي شخصية نموذجيةيمتد التمويه إلى بنية الرواية؛ فسلمى لا تظهر في صورة واحدة، بل تتشظى إلى ثلاث شخصيات تحمل الاسم ذاته: " سلمى وان" و" سلمى تو"، ثم تنبثق شخصية ثالثة تحمل اسماً رقمياً للمراسلات، مموهاً بدوره، في امتداد للعبة المرايا وتوليد الأحجيات.
ومع الرسائل المجهولة، والصندوق المغلق، والفرضيات المتعددة المحيطة بموت البطلة، تنزاح الرواية تدريجياً نحو أجواء التحقيق البوليسي، ويتحول القارئ إلى شريك في حل اللغز.
إذا كانت هاديا سعيد قد اختارت وضع أيقونة الأنوثة في خانة الملغز، ذلك الدهليز الذي يبلبل العقل من فرط تشعبه، فإن الروائي العراقي نجم والي يذهب بالمأساة إلى متاهة أخرى، حيث يجعل منها مادة صالحة للاحتمالات.
ففي سيرته المتخيلة، «سعاد والعسكر» (2021)، يمزج والي بين الوقائع التاريخية والخيال الروائي، لتتجاوز البطلة حدود تجربتها الفردية وتتحول إلى" شخصية نموذجية"؛ تحتفظ بفرادتها، لكنها تصلح في الوقت نفسه للإشارة إلى كل فرد وجد نفسه في مواجهة سلطة غاشمة تراقب حياته وتحد من انطلاقه وحريته.
لذلك لا تنشغل الرواية كثيراً بحادثة الوفاة التي ظلت مادة للتكهنات الصحافية، بقدر ما تركز على عملية استيلاب ممنهجة جرت لسعاد منذ طفولتها على يد ضابط مخابرات يلازم مسيرتها، ويتحول تدريجياً إلى القطب الثاني في العمل؛ في علاقة تتجاوز المراقبة الأمنية إلى نوع من الوصاية القدرية.
ومع تبدل اسم الضابط أكثر من مرة، يظل حاضراً بوصفه الوجه المتغير لسلطة واحدة لا تتغير، في حصار خانق يعيد إلى الأذهان مأساة السيد (ك) في عالم كافكا الكابوسي، حيث تفاصيل الحياة اليومية من طعام ولباس ودوام تجري كلها تحت أعين حارسين لا يغيبان.
يقترب والي من منطقة مظلمة سبق أن تناولت بعض الأعمال السينمائية والدرامية جوانب منها، بالحديث عن توظيف الفنانين أو ابتزازهم أو تجنيدهم من قبل أجهزة السلطة.
وهنا لا يعود السؤال مهماً: هل قُتلت سعاد أم انتحرت؟ إذ يصبح القتل والانتحار، في نهاية المطاف، وجهين لعملة واحدة، بعد كل ما لحق بهذا الكيان الهش.
تنتقل سعاد من تمثيل جماعة بعينها إلى تأطير عصر بأكمله في رواية «زمن سعاد» للمصري خالد منتصر، فهل يمكن لفرد واحد أن يصبح مرآة للزمن؟ وما الذي أهلها لهذا الدور؟بدءاً من العنوان يفصح الكاتب عن طموحه؛ فبدلاً من أن يجعل الزمن إطاراً لحياة سعاد، جعل سعاد إطاراً للزمن.
وبالتالي لا يتعامل مع الوجه البشوش الطافح بالبهجة باعتباره يخص شخصاً بعينه، ولا يرى في لحظات أفوله وانكساره مأساة فردية، بل يرى فيها بوصلة زمنية، تدور حولها شبكة من التحولات الاجتماعية والفكرية، لتصبح سعاد استعارة لعصر بأكمله؛ العالم الذي أحاط بها من سينما وأغانٍ وشوارع ووعي جمعي، وأيقونة لزمن أفل مع صعود الخوف والانغلاق.
دخلت عالم الأدب من أوسع أبوابه سواء بسيرتها أو إعادة تخييلهاومن خلال أسرتها، تتشعب خيوط الرواية مشتبكة مع قضايا صعود التيارات الدينية، والهجرة، والصدام بين قيم الانفتاح والبهجة التي بشرت بها الستينيات، وبين التحولات المتشددة التي عرفتها مصر في العقود اللاحقة.
كذلك يتطرق السرد إلى علاقتها بعبد الحليم حافظ، وكيف فرضت هذه العلاقة المسمومة على هذا الحضور الطاغي أن يتوارى في الظل ويتلصص من خلف الجدران.
حياة سعاد تجعلنا نُعيد النظر في كون الجمال نعمة؛ ولا سيما مع تلك النظرة المتحجرة في عينيها على مدار سنواتها الأخيرة، والتي تبدو كمرثية للحياة، وعدسة مكبرة لما جرى وما سوف يجري.
في يوبيل رحيل السندريلا الفضي، لا يجدر أن نتكلم على الموت في حضرة الجمال؛ فما بين لغز الذات المشظاة عند هاديا سعيد، وكابوسية الاحتمال عند نجم والي، ومرثية الزمن عند خالد منتصر، ما زالت تقفز الفراشة من بين السطور بضحكتها الرنانة وظلها الخفيف، لتمنح كل رواية وجهاً لبطولة جديدة.
بطولةٌ تعيد إلى الأذهان سيرة أولئك الأبطال الإشكاليين في الأدب العالمي الذين ضاقت بهم شروط واقعهم؛ مثل" إيما بوفاري" لفلوبير في تمزقها بين بريق الحلم وزيف الواقع، أو" هولدن كولفيلد" لسالينجر في اغترابه وضياعه العذب.
إن السر في هذه الحكايات لا يكمن أبداً في طريقة الموت الغامضة، بل في كون هؤلاء الأبطال حملوا من النور والجمال ما لا يقوى العالم على احتماله.
أو غفرانه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك